ترامب والجبهة اللبنانية: ماذا يُحاك من سوريا؟
كتب الاعلامي حسين مرتضى
عادت التصريحات الأمريكية الأخيرة إلى واجهة المشهد الإقليمي بعدما تحدّث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية الاستعانة بقوات من سوريا باتجاه لبنان في مواجهة حزب الله، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من التساؤلات حول مدى جدية هذه الطروحات وإمكانية ترجمتها إلى خطوات عملية على الأرض.
في قراءة للمشهد، يبدو أن التعامل مع هذه التصريحات بوصفها مجرد حرب نفسية لا يكفي لفهم أبعادها الحقيقية. فالإدارة الأمريكية اعتادت اعتماد سياسة تقوم على خلط الأوراق ورفع سقف التهديدات وفتح مسارات ضغط متعددة في آن واحد، سواء عبر الأدوات العسكرية أو السياسية أو الأمنية. ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث أمريكي من هذا النوع لا يمكن عزله عن سياق أوسع من محاولات البحث عن أوراق ضغط جديدة في مواجهة المقاومة ومحور حلفائها في المنطقة.
المعطيات المتوافرة تشير إلى أن فكرة الاستعانة بقوات مرتبطة بالإدارة السورية الحالية ليست جديدة بالكامل. فخلال مراحل سابقة من المواجهة العسكرية، ومع تعثر العمليات البرية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها الميدانية، طُرحت أكثر من مرة إمكانية تحريك مجموعات من الجانب السوري باتجاه الحدود اللبنانية الشمالية أو الشرقية بهدف إسناد الضغوط العسكرية على المقاومة. إلا أن هذه الأفكار بقيت في إطار النقاشات والضغوط السياسية ولم تتحول إلى واقع ميداني نتيجة التعقيدات الإقليمية والدولية المحيطة بها.
اليوم، وعلى الرغم من رصد بعض التحركات العسكرية داخل الأراضي السورية، فإن العقبة الأساسية أمام أي سيناريو مشابه تتمثل في المواقف الإقليمية الحاسمة. فإيران أبلغت تركيا، وفق المعطيات المتقاطعة، رسائل واضحة وصريحة مفادها أن أي انخراط لقوات سورية في مواجهة داخل الساحة اللبنانية سيُنظر إليه باعتباره خطوة تصعيدية خطيرة تحمل تداعيات تتجاوز حدود لبنان نفسه.
أما تركيا، التي تمتلك نفوذاً واسعاً في المشهد السوري الحالي، فتتعامل مع الملف بحسابات أكثر تعقيداً. فأنقرة تدرك أن الدخول في مغامرة من هذا النوع قد يفتح عليها أبواب مواجهة سياسية وأمنية مع طهران في وقت تحاول فيه الحفاظ على توازنات دقيقة في الإقليم. كما أن القيادة التركية تعلم أن أي انزلاق عسكري نحو لبنان قد يؤدي إلى استنزاف نفوذها داخل سوريا وإرباك المشهد السوري الذي لا يزال بعيداً عن الاستقرار الكامل.
وتبرز أيضاً عوامل أخرى تزيد من تحفظ الموقف التركي، من بينها الخلافات المرتبطة ببعض الملفات الإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بقضايا الحدود البحرية في شرق المتوسط، حيث تنظر أنقرة بعين الريبة إلى بعض المسارات السياسية اللبنانية التي لا تراعي، بحسب وجهة نظرها، المصالح التركية في هذا الملف الحساس.
إلى جانب الموقفين الإيراني والتركي، تبدو المملكة العربية السعودية غير متحمسة إطلاقاً لفتح ساحة مواجهة جديدة في لبنان. فالمؤشرات السياسية المتوافرة تفيد بوجود رفض سعودي لأي خطوة من شأنها دفع لبنان نحو مزيد من الفوضى أو الانخراط في حرب إقليمية جديدة، خصوصاً في ظل المتغيرات الجارية على مستوى المنطقة.
في المقابل، لا يمكن استبعاد بحث إسرائيل عن بدائل أخرى إذا ما فشلت محاولات الضغط المباشر على المقاومة. فمن المحتمل أن تتجه تل أبيب إلى تعزيز نشاطها الأمني والعسكري في الجنوب السوري أو في المناطق المحاذية لجبل الشيخ، مستفيدة من شبكات محلية أو مجموعات مسلحة متحركة بهدف تنفيذ عمليات أمنية أو محاولات تسلل نحو الأراضي اللبنانية. كما أن الحديث عن إعادة تنشيط بعض الخلايا المتطرفة في البادية السورية يبقى ضمن السيناريوهات التي تراقبها الأجهزة الأمنية في المنطقة بحذر شديد.
أما على المستوى اللبناني الداخلي، فإن المعطيات الأمنية المتوافرة تشير إلى مستوى مرتفع من التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية، مع وجود متابعة دقيقة لأي مؤشرات قد تدل على محاولات اختراق أو تنفيذ أعمال تخريبية. ورغم أن الحسابات الأمنية لا تعرف مفهوم “الأمن المطلق”، فإن الواقع الحالي يوحي بأن الوضع الداخلي لا يزال تحت السيطرة، وأن قدرة الجهات المعادية على تنفيذ مخططات واسعة النطاق تبقى محدودة حتى الآن.
في المحصلة، فإن الحديث عن زج قوات من سوريا في مواجهة مباشرة مع المقاومة في لبنان يصطدم حتى اللحظة بجدار من الحسابات الإقليمية المعقدة والاعتراضات السياسية الواضحة. كما أن أي خطوة من هذا النوع قد تؤدي إلى نتائج معاكسة تماماً لما يطمح إليه المخططون لها، إذ ستدفع شرائح واسعة من اللبنانيين والقوى السياسية والعشائرية إلى التكاتف في مواجهة أي اعتداء خارجي.
ولهذا، تبقى المنطقة أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها التهديدات العسكرية مع الحسابات السياسية، فيما سيظل الميدان والتطورات اليومية العامل الحاسم في تحديد اتجاه الأحداث خلال المرحلة المقبلة.