ترامب يهدد سلطنة عُمان… أين العرب؟
كتب الإعلامي حسين مرتضى
عندما يلوّح «الصديق الحميم» بقصف دولة عربية شقيقة وذات سيادة مثل سلطنة عُمان، يصبح السؤال أكبر من مجرد تصريح سياسي عابر: أين العرب؟ وأين اتفاقيات الدفاع المشترك؟ وأين مفهوم الأمن القومي العربي؟
المسألة هنا لا تتعلق بعُمان وحدها، ولا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها خلافاً بين واشنطن ومسقط يمكن أن ينتهي بتصريح أو اتصال دبلوماسي. عندما تصدر تهديدات عسكرية بحق دولة عربية مستقلة، فإن الرسالة تتجاوز حدود الدولة المستهدفة، لتصل إلى كل العواصم العربية، وخصوصاً دول الخليج التي بنت جانباً كبيراً من أمنها على الشراكة والتحالف مع الولايات المتحدة.
المثل الشعبي يقول: «عم بحكيكي يا كِنّة لتسمعي يا جارة»، وربما تختصر هذه العبارة الكثير من المشهد. فالتهديد الموجه إلى سلطنة عُمان، إن صحّ في سياقه، لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره رسالة إلى مسقط، بل باعتباره تذكيراً قاسياً بأن التحالفات الدولية لا تلغي حقيقة أساسية: السيادة لا تتجزأ، وأمن الدول لا ينبغي أن يكون رهينة لمزاج الحليف أو حساباته السياسية.
والسؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا لو كان التهديد موجهاً إلى دولة عربية أخرى؟ هل كان الموقف سيختلف؟ وهل تصبح السيادة مقدسة عندما يتعلق الأمر بدولة، وقابلة للتفاوض عندما يتعلق الأمر بدولة أخرى؟
من المفارقات أن المنطقة العربية شهدت خلال السنوات الماضية عشرات المؤتمرات والقمم والبيانات التي تحدثت عن التضامن العربي، والأمن القومي، ووحدة الموقف، واحترام سيادة الدول. لكن عند الاختبار الحقيقي، كثيراً ما تتحول هذه الشعارات إلى عبارات دبلوماسية محفوظة، فيما تُترك الدول فرادى أمام الضغوط والتهديدات.
لا أحد يطالب الدول العربية بإعلان مواجهة مع الولايات المتحدة، ولا بإلغاء تحالفاتها أو مصالحها الدولية. المطلوب أبسط من ذلك بكثير: موقف يحترم السيادة العربية. بيان واضح، رسالة دبلوماسية صريحة، وتأكيد أن استهداف أي دولة عربية أو تهديدها عسكرياً ليس أمراً يمكن التعامل معه بالصمت.
فالصمت أمام تهديد دولة عربية لا يحمي أحداً، بل يرسّخ معادلة خطيرة: أن لكل دولة حساباتها الخاصة، وأن مفهوم الأمن القومي العربي يبقى عنواناً للاستهلاك السياسي أكثر منه التزاماً فعلياً.
والأخطر أن استمرار هذا النهج قد يجعل كل دولة عربية تنظر إلى أمنها باعتباره شأناً منفرداً، فتبحث عن مظلة حماية خارجية، وتصبح علاقاتها بالقوى الكبرى أقوى من روابطها بجيرانها وأشقائها. عندها لا يعود الحديث عن التضامن العربي سوى ذكرى جميلة في البيانات الرسمية.
سلطنة عُمان، بما تمثله من موقع ودور تاريخي في الوساطات الإقليمية والدولية، ليست دولة هامشية في المنطقة. وأي تهديد يطالها يستحق التوقف عنده، ليس دفاعاً عن طرف في مواجهة طرف، بل دفاعاً عن قاعدة يفترض أن تكون ثابتة: لا يجوز أن تصبح سيادة الدول العربية ورقة في صراعات القوى الكبرى.
فإذا كان «الصديق» قادراً على التهديد، فأين الصديق العربي؟
وإذا كانت اتفاقيات الدفاع المشترك لا تُستحضر عندما تتعرض دولة عربية للتهديد، فمتى تُستحضر؟
وإذا كان الأمن القومي العربي يُذكر في الخطب والقمم، فأين هو عندما تصبح السيادة العربية نفسها موضع اختبار؟
القضية اليوم ليست فقط: ماذا سيفعل ترامب؟
بل أيضاً: ماذا سيفعل العرب؟
لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في تهديد عابر فحسب، بل في أن يصبح الصمت العربي أمراً طبيعياً، وأن تتعامل العواصم العربية مع تهديد دولة شقيقة وكأنه لا يعنيها.
وفي السياسة، كما في الحياة، قد لا يكون الصمت دائماً حياداً… أحياناً يكون الصمت رسالة بحد ذاته.