ثنائية النار والتفاوض… كيف تدير واشنطن وطهران معركة الرسائل؟

كتب الإعلامي حسين مرتضى

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق أو المواقع التي تُستهدف، بل أصبحت تُقرأ من خلال الرسائل التي تحملها كل ضربة، والتوقيت الذي تُنفذ فيه، واللغة السياسية التي تليها. فالمنطقة تقف اليوم أمام نموذج واضح لما يُعرف في العلوم السياسية والعسكرية بـ”إدارة حافة الهاوية”، حيث يتقدم التصعيد العسكري خطوة، قبل أن تتقدم الدبلوماسية خطوة أخرى، في محاولة لفرض شروط تفاوضية جديدة من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

في هذا السياق، بدا التحول السريع في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من إعلان انتهاء فرص التفاوض إلى إعادة فتح قنوات الاتصال مع طهران، جزءاً من استراتيجية أميركية ثابتة تقوم على مبدأ “الضغط الأقصى ثم الصفقة الكبرى”. فواشنطن تدرك أن القوة العسكرية تمنحها أوراق ضغط، لكنها تدرك أيضاً أن أي حرب مفتوحة مع إيران ستكون باهظة الكلفة على الاقتصاد الأميركي، وعلى أمن حلفائها، وعلى أسواق الطاقة العالمية.

لذلك، فإن الضربات العسكرية الأميركية لم تكن تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني أو الدخول في مواجهة شاملة، بقدر ما سعت إلى تحسين شروط التفاوض، وإظهار واشنطن بموقع الطرف القادر على فرض الإيقاع السياسي والعسكري في المنطقة.

في المقابل، جاءت الرسائل الإيرانية واضحة وحاسمة. فطهران أعلنت عملياً أن التفاوض تحت النار غير مقبول، وأن استهداف القواعد الأميركية لم يكن مجرد رد عسكري، بل إعلان سياسي برفض أي محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة. كما تؤكد القيادة الإيرانية أن الولايات المتحدة لم تلتزم بما تم الاتفاق عليه في “ورقة التفاهم الأولى”، خلال المهلة المحددة، الأمر الذي أفقد واشنطن جزءاً كبيراً من صدقيتها في أي مسار تفاوضي جديد.

ومن أبرز الملفات التي كشفت حجم الاشتباك غير المعلن بين الطرفين، ملف مضيق هرمز. فالمحاولات الأميركية لإيجاد مسارات بحرية بديلة تقلل من أهمية المضيق، قوبلت برسائل إيرانية مباشرة تؤكد أن أمن الملاحة في الخليج يبقى مرتبطاً بالتوازنات التي ترسمها الجمهورية الإسلامية، وأن أي محاولة لتجاوز هذه المعادلة ستواجه برد سياسي وعسكري يحافظ على واحدة من أهم أوراق القوة الإيرانية.

وبناءً على المعطيات الحالية، تبدو المنطقة أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، يتمثل في العودة إلى طاولة المفاوضات، سواء بشكل مباشر أو عبر الوسطاء، بعد انتهاء مرحلة “عض الأصابع” العسكرية. فالقصف المتبادل لم يكن هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحسين شروط التفاوض وإعادة رسم موازين القوى قبل أي اتفاق جديد.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار سياسة الردع المقيد، بحيث تتواصل الضربات المحدودة والرسائل الأمنية والسياسية، من دون أن يقدم أي طرف تنازلات مجانية، مع المحافظة على سقف يمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة.

في حين يبقى السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً لكنه الأكثر خطورة، متمثلاً في اندلاع حرب شاملة نتيجة خطأ في الحسابات أو تطور ميداني غير محسوب، خصوصاً في ظل استمرار واشنطن بمحاولات إعادة تموضع قواتها وتعزيز حضورها العسكري في المنطقة.

وسط هذه المعادلات، يبرز الملف اللبناني بوصفه الأكثر حساسية وتعقيداً. فلبنان لم يعد ملفاً محلياً، بل أصبح جزءاً من التفاوض الإقليمي بين طهران وواشنطن. وترى إيران أن أي تفاهم لا يحفظ التوازنات المتعلقة بلبنان، ولا يراعي الالتزامات السابقة، ولا يتناول ملفات العقوبات والأموال ومضيق هرمز ضمن رؤية متكاملة، لن يكون قابلاً للحياة.

من هنا، فإن العد العكسي للمهلة الزمنية المتداولة بين الطرفين يقترب من نهايته، فيما تتجه الأنظار إلى الأسابيع المقبلة التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة، سواء عبر جولة تصعيد محدودة تستخدم لتحسين شروط التفاوض، أو عبر إطلاق مسار سياسي جديد يعيد ترتيب أولويات المنطقة.

وفي المحصلة، تبدو المنطقة اليوم أمام معادلة دقيقة: لا واشنطن تريد حرباً مفتوحة، ولا طهران ترى أن الوقت مناسب لتقديم تنازلات مجانية. وبين النار والتفاوض، يستمر الصراع الحقيقي على موازين القوى، فيما تبقى ساحات المنطقة، وفي مقدمتها لبنان، إحدى أهم أوراق التفاوض في رسم المشهد الإقليمي الجديد.