خرائط النار: الاستراتيجية الإيرانية لمواجهة الحرب الأمريكية الشاملة
كتب الاعلامي حسين مرتضى
تشهد منطقة غرب آسيا مرحلة هي الأكثر حساسية منذ سنوات، مع تصاعد المؤشرات التي توحي بأن المواجهة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تعد مجرد احتمال سياسي، بل سيناريو تستعد له العواصم المعنية على المستويات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تبدو طهران وكأنها تتعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها محطة فاصلة في رسم موازين القوى الإقليمية، واضعةً مختلف مؤسساتها العسكرية والأمنية في حالة استعداد دائم لمواجهة تعتبرها حتمية أكثر منها افتراضية.
وفق المعطيات التي تتابعها الدوائر الإيرانية، فإن واشنطن تعمل على تنفيذ استراتيجية متعددة المسارات تهدف إلى تقويض عناصر القوة الإيرانية بصورة تدريجية. وتحتل معركة مضيق هرمز رأس أولويات هذه الاستراتيجية، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص النفوذ الإيراني على أحد أهم الممرات البحرية في العالم عبر استهداف منظومات الرصد والرادارات والمسيرات والزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري، بما يتيح حرية حركة أكبر للأساطيل الأمريكية وحلفائها. غير أن التقديرات الإيرانية تؤكد أن هذه المحاولات لم تنجح حتى الآن في تغيير ميزان السيطرة داخل المضيق.
وبالتوازي مع ذلك، تشير القراءة الإيرانية إلى أن واشنطن تعمل على تحييد شبكة الدفاعات الجوية الإيرانية تمهيدًا لفتح ممرات آمنة نحو العمق الإيراني، بما يسمح باستهداف المدن والمنشآت الاستراتيجية في طهران وأصفهان وشيراز ومشهد، في إطار خطة تهدف إلى فرض معادلات عسكرية جديدة وإضعاف القدرة الإيرانية على إدارة أي مواجهة طويلة الأمد.
ولا تتوقف المخاوف الإيرانية عند حدود الضربات الجوية، بل تمتد إلى ما تعتبره حربًا استخباراتية مركبة تعتمد على استخدام المسيرات الصغيرة لتحديث بنك الأهداف ورصد تحركات القيادات والمنشآت الحساسة، تمهيدًا لعمليات اغتيال وضربات دقيقة تستهدف البنية العسكرية والخدمية في البلاد. كما تتحدث التقديرات الإيرانية عن رهان أمريكي – إسرائيلي على استثمار أي ضغوط اقتصادية أو اجتماعية لإحداث اضطرابات داخلية متزامنة مع العمليات العسكرية، في محاولة لاستنزاف الدولة من الداخل والخارج في آن واحد.
وفي الملف النووي، ترى طهران أن الحديث المتكرر عن استهداف منشأة نطنز قد يكون جزءًا من عملية تضليل عسكري، بينما قد تتجه الأنظار عمليًا نحو منشآت أخرى أكثر حساسية، وفي مقدمتها أصفهان، بالتزامن مع سيناريوهات تتحدث عن محاولات للسيطرة على بعض الجزر الاستراتيجية في الخليج وتحريك مجموعات مسلحة على الحدود الإيرانية من أكثر من محور.
في المقابل، لا تبدو إيران في موقع الدفاع فقط، بل تؤكد المؤشرات أنها أعدّت استراتيجية رد تقوم على مفهوم الحرب الهجينة، مستفيدة من الخبرات التي اكتسبتها خلال السنوات الماضية. وترتكز هذه الاستراتيجية على الجمع بين الأدوات العسكرية التقليدية وغير التقليدية، مع توسيع ساحات الاشتباك وإرباك الخصم في أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
ويبرز في هذا الإطار ما يمكن وصفه بـ”معادلة الطاقة“، إذ تعتبر طهران أن أي محاولة لمنع صادراتها النفطية ستقابل بتعطيل حركة تصدير النفط في المنطقة بأكملها. ومن هنا تأتي التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب وأمن الملاحة في البحر الأحمر، إضافة إلى إمكانية استهداف المنشآت النفطية وخطوط الإمداد الحيوية، بما يجعل أسواق الطاقة العالمية جزءًا مباشرًا من أي مواجهة عسكرية مقبلة.
كما تمنح الرؤية الإيرانية دورًا محوريًا للجبهات الحليفة في المنطقة، وفي مقدمتها اليمن، باعتباره ساحة قادرة على فرض ضغوط إضافية على المصالح الأمريكية وحلفائها، ضمن معادلة تقوم على توسيع نطاق الاشتباك ومنع حصره داخل الجغرافيا الإيرانية.
وفي الجانب العسكري المباشر، تعتمد إيران على استراتيجية استنزاف القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة، من خلال استهداف مراكز القيادة ومنصات الإطلاق وخطوط الإمداد والقدرات اللوجستية، مع التركيز على تقليص حرية الحركة وإطالة أمد المواجهة بما يرفع كلفتها السياسية والعسكرية على واشنطن.
أما في ميدان التسليح، فتشير القراءة الإيرانية إلى أن انخفاض وتيرة إطلاق الصواريخ لا يعكس تراجعًا في القدرة العسكرية، بل قرارًا استراتيجيًا بالحفاظ على المخزون الصاروخي استعدادًا لمواجهة أوسع، مقابل توسيع الاعتماد على الطائرات المسيّرة التي أثبتت، وفق التقدير الإيراني، قدرة عالية على تحقيق إصابات دقيقة وإرباك منظومات الدفاع لدى الخصوم.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة التعقيد، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات الاقتصادية والسياسية، وتزداد احتمالات الانتقال من سياسة الردع المتبادل إلى مواجهة مفتوحة إذا فشلت مسارات الاحتواء. وبينما تراهن واشنطن على استنزاف القدرات الإيرانية عبر ضغوط متراكمة، تؤكد طهران أنها استكملت استعداداتها لمختلف السيناريوهات، بما فيها المواجهة البرية التي تعتبرها فرصة لاستنزاف القوات المهاجمة وإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة.
في المحصلة، لا تدور المنافسة اليوم حول معركة عسكرية محدودة، بل حول إعادة رسم توازنات النفوذ في غرب آسيا. ولهذا، فإن أي مواجهة مقبلة لن تقتصر نتائجها على طرفي الصراع، بل ستنعكس على أمن الطاقة العالمي، والملاحة الدولية، ومستقبل التحالفات الإقليمية، ما يجعل المنطقة تقف على أعتاب مرحلة قد تكون الأكثر تأثيرًا في معادلات الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.