طبول الحرب أم مناورة انتخابات؟… قراءة تحليلية في حسابات المواجهة بين واشنطن، تل أبيب، وإيران

كتب الاعلامي حسين مرتضى

تعيش المنطقة العربية والشرق أوسطية مرحلة حرجة تتداخل فيها الحسابات السياسية والانتخابية مع الهواجس الأمنية والعسكرية، وسط تساؤلات ملحة حول ما إذا كنا أمام سياسة ردع تهدف إلى منع اندلاع الحرب، أم أننا نشهد ترتيبات ميدانية وسياسية تهيئ المنطقة لاحتمال المواجهة الكبرى بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وإيران من جهة أخرى.

1. حسابات الداخل: بين صندوق النعش والانتخابات

تفترض أدبيات العلوم السياسية التقليدية أن الحكومات تتجنب المغامرات العسكرية الكبرى في مواسم الانتخابات خشية تأثيرها على شعبيتها. إلا أن هذه القاعدة لا تسري دائماً على الواقع السياسي المعاصر:

المعادلة الإسرائيلية: يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أزمات سياسية داخلية خانقة وضغوطاً متعلقة بمستقبله السياسي والقضائي. قد يرى في التصعيد مع ايران مخرجاً لإعادة توحيد الجبهة الداخلية وتاجيل الاستحقاقات، رغم خطورة أن تتحول الحرب إلى عبء سياسي وعسكري إذا امتدت لجبهات متعددة.

الحسابات الأمريكية: لا توظف إدارة ترامب الضربة العسكرية كإنجاز انتخابي مباشر فحسب، بل تتعامل مع المسألة من منظور فرض الردع، ومنع صعود إيران كقوة إقليمية يصعب احتواؤها، والحفاظ على صورة الهيبة الأمريكية أمام الحلفاء والخصوم.

2. المؤشرات العسكرية: هل اقتربت ساعة الصفر؟

رغم تعدد التقارير الميدانية واللوجستية، لا يمكن اعتبار أي تحرك عسكري منفرد دليلاً قاطعاً على قرار الحرب، إلا أن تراكم المؤشرات يرفع من حدة التوتر. ومن أبرز هذه المؤشرات:

الاجلاء الدبلوماسي: تقليص الوجود الدبلوماسي وحماية المصالح الأمريكية في مناطق التوتر.

تطوير القدرات الهجومية: العقود المرتبطة بالأسلحة فرط الصوتية وتقليص زمن الوصول إلى الأهداف بعيدة المدى.

إدارة المعركة: الاعتماد على منظومات القيادة والسيطرة المحمولة جواً لتأمين استمرارية إدارة العمليات في حال تعرض القواعد الأرضية للتهديد.

كثافة الاستطلاع: تكثيف حركات طائرات الاستطلاع ومراقبة القدرات الدفاعية وخطوط الإمداد.

3. الموقف الإيراني: اختبار الردع وقواعد الاشتباك

لا تقف طهران مكتوفة الأيدي؛ فهي تنظر إلى الضغوط الشاملة (الاقتصادية، السياسية، والعسكرية) باعتبارها محاولة لانتزاع تنازلات تتجاوز الملف النووي لتطال برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي وحلفاءها. تقوم العقيدة الإيرانية الحالية على رفض التنازل تحت الضغط، والتأكيد على أن أي مواجهة لن تكون أحادية الجانب، بل ستنعكس تداعياتها على أمن الملاحة العالمية، ومضيق هرمز، وأسواق الطاقه والاقتصاد الدولي.

4. سيناريوهات التعامل مع الأزمة

تتراوح خيارات القوى الكبرى في التعامل مع الملف الإيراني بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

  1. استمرار الضغط دون حرب شاملة: مواصلة العقوبات، وتعزيز الوجود العسكري كأداة ضغط مستمرة.
  2. ضربة عسكرية محدودة ومركزة: محاولة تحقيق أهداف سريعة وفرض واقع تفاوضي جديد، وسط مخاوف حقيقية من عدم القدرة على احتواء الرد الإيراني.
  3. مواجهه إقليمية واسعة: السيناريو الأخطر في حال فشل الردع المتبادل، والذي قد يجر عدة ساحات إقليمية إلى أتون صدمة اقتصادية وعالمية كبرى.
خلاصة المشهد

إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في تعقيدات الجغرافيا السياسية، بل في احتمال تلاقي الحاجة السياسية الداخلية لانجازات سريعة مع تقدير عسكري خاطئ بإمكانية إبقاء المواجهة محدودة وتحت السيطرة. وبينما تدرك واشنطن وتل أبيب أثمان الحرب الباهظة، تواجه طهران اختباراً وجودياً للحفاظ على معادله الردع دون الانجرار إلى مواجهة وفق شروط خصومها.