على حافة الانفجار: قراءة في خرائط التموضع واستراتيجيات الردع
كتب الاعلامي حسين مرتضى
لم يعد المشهد العسكري القائم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي وحلفائهما من جهة أخرى، مجرد “مناوشات تكتيكية” أو أحداث عابرة في يوميات المنطقة؛ بل نحن أمام مرحلة انتقالية كبرى تتطلب قراءة استراتيجية شاملة تتجاوز رصد حركة الطائرات أو نقل المعدات، لتنفذ إلى جوهر “العقل العملياتي” الذي يدير هذه التحركات.
الميدان.. هدوء الحشود وصخب الاستطلاع
ميدانياً، قد توحي وتيرة نقل القوات والمعدات بالانخفاض، لكنها في الحقيقة دخلت مرحلة “الاستقرار في التموضع”. فالمنظومات القتالية الكبرى باتت في مواقعها، والمراقبة الاستخباراتية الإيرانية الدقيقة، التي تتقاطع فيها القدرات البشرية مع التقنيات الإلكترونية، ترصد كل تغيير في أنماط انتشار القوات الأمريكية والإسرائيلية. هذا الرصد لا يهدف فقط للتحذير، بل لرسم “بنك أهداف” محدّث، يضمن دقة الرد وفاعليته في حال تجاوزت المواجهة خطوطها الحالية.
لقد كشفت الساعات الأخيرة عن تصاعد ملموس في النشاط الجوي، خاصة في محيط مضيق هرمز، حيث ترسم طائرات التزود بالوقود والقيادة والسيطرة سيناريوهات “الهجوم السريع”. وبالرغم من محاولات الاختراق التي تنفذها المسيّرات المعادية، إلا أن وحدات الدفاع الجوي الإيراني جعلت من التصدي لهذه الخروقات “روتيناً عملياتياً”، يحافظ على سيادة الأجواء بعيداً عن ضجيج الإعلانات.
ثلاثية المشهد: التوتر، الترقب، والنمطية
يمكن تلخيص الواقع الحالي عبر ثلاثة مرتكزات:
- 1. المناورة تحت عتبة الحرب: استمرار التوترات البحرية والجوية دون الانزلاق إلى صدام شامل، وهو وضع “اللاحرب واللاسلم” الذي يعكس تردداً لدى الطرف المقابل في اتخاذ قرار الهجوم الأول.
- 2. اقتناص الفرصة العملياتية: الحشد الضخم لا يعني البدء الفوري للعمليات، بل هو انتظار لـ “ثغرة ميدانية” تسمح بتوجيه ضربة حاسمة بأقل تكلفة، وهي الفرصة التي تسعى إيران لإجهاضها عبر امتلاك زمام المبادرة.
- 3. العجز عن الابتكار: يلاحظ غياب الإبداع العملياتي في الخطط الأمريكية والإسرائيلية، التي لا تزال تراوح مكانها بين سيناريوهات تقليدية (اغتيالات، ضرب بنية تحتية، محاولات سيطرة على جزر)، وهي خيارات أثبتت التجارب ارتفاع تكلفتها وفشلها في تغيير المعادلة الاستراتيجية.
عوامل التصعيد والحسابات المعقدة
إن وصول المنطقة إلى هذه الحالة من “حبس الأنفاس” يعود إلى تقاطع عدة مسارات خطيرة؛ بدءاً من الحشود غير المسبوقة، مروراً بالرسائل السياسية الصادرة عن واشنطن وتوجهات الرئيس ترامب، وصولاً إلى الأزمات الداخلية لبنيامين نتنياهو الذي قد يرى في الهروب نحو الحرب وسيلة لإنقاذ مستقبله السياسي. هذا التصعيد تغذيه قناعة إسرائيلية بقدرة الضغط على واشنطن للتدخل المباشر، في ظل انسداد الأفق الدبلوماسي بملفات التخصيب والممرات المائية.
معادلات الردع الجديدة
تؤكد المعطيات أن أي مواجهة مقبلة لن تكون نسخة عن حروب الماضي. فتكتيكات “المفاجأة” التي تلوح بها طهران، والقدرة على ضرب نقاط حساسة كانت تعتبر خارج نطاق التهديد، تعني أن الجدول الزمني للحرب لن يكون بيد المهاجم.
إن حماية الملاحة البحرية ومرافقة السفن الإيرانية باتت واقعاً ميدانياً يفرض نفسه، بينما تظل الجزر الجنوبية قلاعاً محصنة أحبطت كافة محاولات اختبار الجاهزية. وفي نهاية المطاف، فإن أي طرف إقليمي يختار الانخراط في هذا الصراع سيجد نفسه جزءاً من ساحة الرد. الهدف الاستراتيجي واضح: أي مواجهة يجب أن تنتهي برسم معادلة.