عندما تتغير قواعد الحرب

بقلم الإعلامي حسين مرتضى

في الحروب الكبرى لا تكون الأيام الأولى كافية للحكم على النتائج، ولا تُقاس موازين القوى بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المواقع التي استُهدفت، بل بالقدرة على فرض قواعد اشتباك جديدة تُجبر الخصم على إعادة حساباته. وما تشهده المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها يبدو أنه تجاوز مرحلة استعراض القوة، ليدخل في اختبار أكثر تعقيدًا يتعلق بإدارة الاستنزاف وإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في المنطقة.

القراءات الصادرة عن مراكز الدراسات الإيرانية لا تنظر إلى ما يجري باعتباره مجرد تبادل للضربات العسكرية، بل تعتبر أن الحرب انتقلت إلى مستوى مختلف، حيث أصبح الهدف تغيير طريقة إدارة الصراع نفسه. فمنذ الأيام الأولى للمواجهة، سعت واشنطن وحلفاؤها إلى فرض تفوق عسكري سريع يكرّس معادلة الردع التقليدية، إلا أن تطور العمليات، وفق هذه القراءة، أدى إلى بروز ما يُعرف بـ”المفاجآت العملياتية”، التي تقوم على استهداف مراكز الثقل العسكرية واللوجستية، وإجبار الخصم على استنزاف موارده الدفاعية بصورة متواصلة.

وفي البعد السياسي، تبدو الرسائل الدبلوماسية والوساطات التي تحركت خلال الأيام الماضية عاجزة عن إحداث اختراق حقيقي. فالرؤية الإيرانية تعتبر أن أي تفاوض يُفرض تحت وطأة الضغط العسكري لن يؤدي إلا إلى تشجيع سياسة الإكراه، ولذلك جاء الإصرار على استمرار المواجهة بالتوازي مع رفض تقديم تنازلات تُفسَّر على أنها نتيجة للضغوط.

أما اقتصاد الحرب، فقد فرض نفسه لاعبًا رئيسيًا في المشهد. فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري استراتيجي، بل تحول إلى ورقة ضغط دولية تؤثر مباشرة في أسواق الطاقة العالمية. وكل اضطراب في حركة الملاحة ينعكس سريعًا على أسعار النفط، ويضع الاقتصادات الكبرى أمام تحديات متزايدة، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطًا إضافية مرتبطة بمخزونها النفطي الاستراتيجي وكلفة حماية طرق التجارة الدولية.

وعسكريًا، تشير التقارير الإيرانية إلى أن استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة لم يعد يقتصر على توجيه رسائل سياسية، بل يهدف إلى إضعاف منظومة القيادة والسيطرة وشبكات الإنذار المبكر التي تعتمد عليها واشنطن في إدارة عملياتها وحماية حلفائها. كما أن توسيع دائرة المواجهة عبر البحر الأحمر والخليج يعكس محاولة لربط ساحات الصراع المختلفة ضمن معادلة ردع إقليمية واحدة، يصبح فيها الحصار المتبادل واستهداف الممرات الحيوية جزءًا من أدوات الضغط المتبادلة.

وفي المقابل، تواصل التكنولوجيا العسكرية لعب دور حاسم في تحديد مسار المعركة. فالصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة ذات القدرات المناورة باتت تشكل تحديًا متزايدًا لمنظومات الدفاع الجوي، الأمر الذي يدفع جميع الأطراف إلى مراجعة حساباتها بشأن فعالية أنظمة الاعتراض التقليدية في مواجهة هذا النوع من التهديدات.

إن ما يجري اليوم لا يقتصر على صراع عسكري بين دولتين، بل يعكس تحولًا أوسع في طبيعة الصراعات الإقليمية والدولية، حيث تتداخل الجغرافيا بالطاقة، والتكنولوجيا بالسياسة، والاقتصاد بالأمن. ولذلك فإن السؤال لم يعد من يحقق ضربة أكبر، بل من ينجح في فرض قواعد اللعبة الجديدة، ومن يمتلك القدرة على الصمود في مواجهة طويلة تتجاوز حدود الميدان العسكري إلى مختلف مفاصل النظام الإقليمي.

فإذا كانت الحروب تبدأ بقرار سياسي، فإن نهاياتها تُرسم غالبًا وفق ميزان الإرادات لا ميزان النيران. ومن هنا، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التعقيد، حيث سيكون الصراع الحقيقي على صياغة معادلات الردع الجديدة التي سترسم شكل المنطقة في السنوات المقبلة.