في خطاب الدفاع المقدس.. اية الله السيد مجتبى الخامنئي يرسم جغرافية الردع ويجدد الميثاق
كتب الاعلامي حسين مرتضى
في تلك السنوات التي كانت فيها خنادق “الدفاع المقدس” تشهد على ولادة عقيدة عسكرية جديدة وسط لهيب حرب الثمانينيات، لم يكن أحد يتخيل أن القصة لن تتوقف عند تلك الحدود والجبال.
كانت إيران يومها تستند إلى مفهوم بسيط وعميق في آن واحد:
“حين تتراجع الإمكانيات التقليدية، تصبح الإرادة الشعبية هي السلاح الأقوى“.
ونحن نطالع الرسالة الصادرة عن اية الله السيد مجتبى الخامنئي في ذكرى تلك الحرب، لم نكن أمام مجرد تقويم يقلّب صفحات الماضي، بل كنا أمام المشهد ذاته يُعاد رسمه بفرشاة الراهن المشتعل.
تخيل المشهد: دولة تقف في قلب عاصفة إقليمية، تحيط بها التهديدات من كل جانب، وفي منتصف هذه العاصفة يخرج خطاب لا يتحدث بلغة الخوف أو الدفاع السلبي، بل بلغة “التماسك، الاستعداد، والجاهزية“.
القصة هنا ليست عن ترسانة أسلحة مخبأة تحت الأرض، بل عن نداء يتجاوز الثكنات العسكرية ليدق أبواب البيوت والأزقة…
نداء يستحضر روح “التعبئة” (البسيج)، حيث يرتدي المواطن العادي عباءة المدافع، وحيث يصبح المجتمع بأكمله جزءاً من جدار الردع.
لكن الفصل الأكثر إثارة للتأمل في هذه القصة، هو ذلك الجسر الذي مدّته الرسالة بين نوتات الماضي والواقع الحالي؛ حين التفت بالخطاب نحو لبنان، نحو ذلك الفراغ الكبير الذي تركه غياب قامة بحجم السيد حسن عندما توصف شخصية بأنها “رجل لن يتكرر في التاريخ“، فالأمر يتجاوز حدود المرثية العاطفية.
إنها تشبه لحظة تسليم الراية في رواية حماسية؛ رسالة تقول لكل متابع للمشهد الإقليمي: “قد يترجل الفارس، لكن المدرسة التي بناها أصبحت جزءاً من حمضنا النووي الاستراتيجي”.
بين أزقة طهران التي تستذكر شوارعها المليئة بصور الشهداء وفي مقدمتهم الامام الشهيد، وجنوب لبنان الذي يختزن حكايات الصمود، ترسم هذه الرسالة لوحة استراتيجية واحدة:
إيران لا ترى في معارك اليوم سوى امتداد لتلك الحرب الأولى، وتؤكد أن الروح التي أخرجتها من مضيق الثمانينيات هي ذاتها التي تقودها اليوم.
روح تتكئ على شعب مستعد، وحلفاء ينظرون إلى القادة الراحلين كمنارات مستمرة، لا كصفحات مطوية.