لبنان بين ضغوط الخارج ومشاريع الفتنة… والميدان يفرض معادلاته

لبنان بين ضغوط الخارج ومشاريع الفتنة… والميدان يفرض معادلاته

كتب الاعلامي حسين مرتضى

في خضم التحولات المتسارعة التي تعيشها المنطقة، يقف لبنان عند تقاطع حساس بين ضغوط سياسية خارجية متصاعدة، ومحاولات داخلية لإعادة تشكيل توازناته، بالتوازي مع واقع ميداني يفرض إيقاعاً مختلفاً لا يمكن تجاهله.

ما نشهده اليوم يتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات الدبلوماسية، ليصل إلى مستوى التدخل المباشر في الشأن الداخلي اللبناني.

تصريحات السفارة الأمريكية لم تعد مجرد مواقف سياسية، بل تحولت إلى ما يشبه الإملاءات، في مشهد يمسّ جوهر السيادة الوطنية.

الأخطر من ذلك ليس فقط هذا السلوك، بل الصمت الرسمي الذي يرافقه، وكأن هناك قبولاً ضمنياً بتجاوز الخطوط الحمراء. في هذا السياق، تبرز ضغوط واضحة تُمارس على رئاسة الجمهورية لدفعها نحو خيارات شديدة الحساسية، من بينها الانخراط في مسارات تفاوضية مع العدو الإسرائيلي تحت عناوين براقة كـ”وقف العدوان” أو “خفض التصعيد”.

لكن التجربة تقول إن هذه العناوين لم تكن يوماً ضمانة حقيقية لحماية لبنان، بل غالباً ما كانت مدخلاً لفرض شروط لا تخدم مصلحته الوطنية. فالدستور اللبناني والميثاق الوطني واضحان في هذا الإطار، وأي محاولة للالتفاف عليهما لن تؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد. بالتوازي، لا يمكن إغفال ما يُحاك في الداخل من مشاريع تحمل في طياتها بذور فتنة خطيرة.

الحديث عن إدخال شركات أمنية دولية للعمل داخل لبنان يطرح أكثر من علامة استفهام: من يضمن ألا تتحول هذه الشركات إلى أدوات صراع داخلي؟ ومن يقف خلف هذا الطرح في هذا التوقيت تحديداً؟ ما يجري ليس بريئاً، بل يندرج ضمن سياق أوسع يسعى إلى تفكيك المجتمع اللبناني أو إخضاعه تحت ضغوط متعددة الأوجه.

الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بدورهما أصبحا ساحة أساسية في هذه المواجهة. هناك من يعمل بشكل ممنهج على ضخ خطاب تحريضي يهدف إلى رفع منسوب الاحتقان، تمهيداً لانفجار داخلي.

من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى ميثاق إعلامي وطني يضع حدوداً واضحة لهذا الانفلات، ويمنع تحويل الكلمة إلى أداة تخدم مشاريع الخارج. وفي خضم كل ذلك، يبقى الجيش اللبناني حجر الزاوية في الحفاظ على الاستقرار.

هذه المؤسسة التي تنتمي إلى كل اللبنانيين يجب أن تبقى بعيدة عن أي تجاذبات داخلية، لأن زجّها في صراعات من هذا النوع لن يخدم إلا من يسعى إلى إضعافها وضرب دورها الجامع. أما في الميدان، فالصورة مختلفة تماماً عما يُروَّج له.

أي محاولة توغل بري إسرائيلي في الأراضي اللبنانية تشكل، في جوهرها، خطأً استراتيجياً، لأنها تفتح الباب أمام نمط من المواجهة قائم على الاستنزاف طويل الأمد. المقاومة اليوم لا تتحرك ضمن ردود فعل آنية، بل ضمن رؤية تراكمية تستفيد من كل ثغرة. المفاجآت لم تعد محصورة في التكتيك، بل امتدت إلى التكنولوجيا.

استخدام وسائل متطورة قادرة على تجاوز أنظمة التشويش والرصد يعكس تطوراً نوعياً في الأداء، ويضع العدو أمام تحديات جديدة. إلى جانب ذلك، يشكل التصنيع المحلي ركيزة أساسية في تعزيز الجهوزية، ما يعني أن القدرة على الصمود والمواجهة لم تعد مرتبطة بعوامل خارجية كما في السابق. ولا يمكن تجاهل عودة بعض الأساليب القتالية التي تعتمد على العنصر البشري المباشر، والتي تبقى، رغم كل التطور التكنولوجي، من أصعب التحديات التي يمكن احتواؤها أو التنبؤ بها.

إقليمياً، تتجه الأنظار إلى التوتر المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة، حيث تزداد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تشمل أكثر من ساحة. في حال حصول ذلك، لن يكون لبنان بمنأى عن التداعيات، بل سيكون جزءاً من مشهد إقليمي مفتوح على كل الاحتمالات.

وهنا، تبرز أوراق ضغط استراتيجية كالممرات البحرية الحيوية، التي قد تتحول إلى عناصر حاسمة في أي معادلة مقبلة. في المحصلة، نحن أمام مشهد مركب:

ضغوط خارجية تتكثف، محاولات داخلية للعبث بالاستقرار، مقابل واقع ميداني يمتلك زمام المبادرة. وبين هذه العناوين، يبقى الرهان الحقيقي على وعي اللبنانيين وقدرتهم على حماية بلدهم من الانزلاق إلى ما يُراد له، وعلى تمسكهم بعناصر القوة التي أثبتت فعاليتها في مواجهة التحديات.