لبنان في قلب التفاوض… وكيف فرض الميدان شروطه على السياسة

الاعلامي حسين مرتضى

لم يعد الملف اللبناني تفصيلاً هامشياً في مسار التفاوض الإقليمي والدولي، بل بات في صلب المشهد السياسي الذي يُرسم للمنطقة.

فالتطورات العسكرية الأخيرة، ولا سيما الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، دفعت الملف اللبناني إلى واجهة المفاوضات المرتبطة بالعلاقة الإيرانية الأمريكية، وحوّلته إلى أحد المفاتيح الأساسية لأي تفاهم محتمل.

ما جرى خلال الأشهر الماضية أثبت أن الحسابات الإسرائيلية لم تكن دقيقة.

فالقرار الإسرائيلي باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت لم يؤدِّ إلى تحقيق أهدافه السياسية أو العسكرية، بل أسهم في تغيير أولويات التفاوض وإعادة ترتيب الأوراق.

وبدلاً من فرض شروط جديدة على محور المقاومة، وجد الاحتلال نفسه أمام معادلة مختلفة بات عنوانها الأساسي وقف إطلاق النار الشامل، ووقف الاعتداءات، والانسحاب من الأراضي المحتلة.

في المقابل، تؤكد المعطيات أن المفاوضات الحقيقية لم تكن تُدار في واشنطن كما يحاول البعض الإيحاء، بل جرت عبر قنوات إقليمية متعددة وبرعاية أطراف مؤثرة في المنطقة.

ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإيراني على أن يكون أي اتفاق شاملاً وغير مجتزأ، بحيث لا يقتصر على ملفات محددة، بل يتضمن ضمانات واضحة تتعلق بوقف الاغتيالات والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في لبنان والمنطقة.

اللافت أيضاً أن واشنطن اضطرت خلال المرحلة الماضية إلى التراجع عن العديد من الأهداف التي رفعتها سابقاً كسقف للمواجهة.

فالشعارات المتعلقة بإسقاط النظام الإيراني أو فرض معادلات استسلام سياسي لم تعد مطروحة بالزخم نفسه، بعدما فرضت الوقائع الميدانية والسياسية توازناً مختلفاً.

وهذا ما يمكن وصفه بانتقال العلاقة من منطق الإملاءات إلى منطق الندية، وهي معادلة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة مباشرة لصمود القوى الإقليمية وقدرتها على فرض وقائع جديدة.

أما على الساحة اللبنانية، فإن الحديث عن تهدئة مستقرة لا يزال سابقاً لأوانه.

فالخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار مستمرة، وقد تجاوزت خلال الأيام الماضية عشرات الانتهاكات التي طالت مناطق مختلفة من الجنوب.

وفي مواجهة ذلك، تبدو المقاومة أمام قرار واضح يقوم على الرد المباشر والفوري على أي محاولة توغل أو اعتداء، وهو ما ظهر في أكثر من محطة ميدانية خلال الفترة الأخيرة.

وفي سياق متصل، تكشف تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حجم التناقض الذي يطبع الموقف الأمريكي.

فالإدارة الأمريكية التي تحدثت سابقاً بلغة الحسم والضغط عادت لتقرّ، بشكل مباشر أو غير مباشر، بفشل كثير من رهاناتها الكبرى. وهذه البراغماتية الأمريكية ليست نتاج مراجعة فكرية، بل نتيجة إدراك متزايد بأن الوقائع على الأرض تختلف كثيراً عن التصورات التي بُنيت عليها الاستراتيجيات السابقة.

وعلى هامش هذه التطورات، يبقى الملف السوري حاضراً في خلفية المشهد الإقليمي، خصوصاً بعد التصريحات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بالجولاني ودور بعض القوى المحلية والإقليمية.

وهو ملف يحتاج إلى قراءة مستقلة ومتعمقة لفهم ما جرى ويجري فيه، وما يرتبط به من تحولات استراتيجية تتجاوز الحدود السورية نفسها.

في الجانب الأمني، تبرز جملة من الأسئلة حول بعض الشخصيات والقيادات التي غاب ظهورها الإعلامي خلال المرحلة الماضية. والإجابة هنا ترتبط باعتبارات أمنية معقدة فرضتها طبيعة المواجهة وحساسية المرحلة، حيث أصبحت إجراءات الحماية جزءاً أساسياً من إدارة المعركة. أما القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والمنطقة، فإن صورتها التقليدية كأداة ردع مطلقة لم تعد كما كانت.

فالمواجهات الأخيرة أظهرت أن هذه القواعد لم تعد بعيدة عن دائرة الاستهداف، وأن قدرتها على فرض معادلات التخويف السابقة تراجعت بشكل ملحوظ، ما يفرض إعادة تقييم لدورها ووظيفتها في أي مواجهة مستقبلية.

في لبنان، تبقى الأولوية الوطنية واضحة: وقف كامل لإطلاق النار، إنهاء الاعتداءات الإسرائيلية، واستكمال الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة.

وبعد ذلك تأتي مهمة تثبيت الاستقرار الداخلي وحماية الساحة اللبنانية من أي محاولات للاستثمار السياسي أو الأمني في التوترات القائمة.

فالتجربة أثبتت أن قوة لبنان لا تكمن فقط في صموده الميداني، بل أيضاً في قدرته على حماية وحدته الداخلية ومنع خصومه من تحويل أزماته إلى أوراق ضغط إضافية.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يبدو أن الميدان هو الذي يرسم حدود السياسة، وأن لبنان لم يعد مجرد ساحة تتأثر بالتفاهمات الإقليمية، بل أصبح أحد العوامل المؤثرة في صياغتها وتحديد مساراتها.