من الليطاني إلى 4 كيلومترات: كيف انكفأت “إسرائيل” من الحسم إلى الاحتواء؟
كتب الإعلامي حسين مرتضى
تشهد الجبهة الجنوبية في لبنان تحولاً لافتاً في طبيعة الخطاب العسكري الإسرائيلي، يعكس بوضوح حجم المأزق الذي يواجهه جيش الاحتلال في الميدان. فبعد أسابيع من التصعيد ورفع سقف الأهداف إلى عناوين كبرى مثل “نزع سلاح حزب الله” والتقدم حتى نهر الليطاني وربما أبعد نحو الزهراني، باتت تل أبيب اليوم تتحدث بلغة مختلفة تماماً، تختصر طموحاتها بمحاولة تأمين شريط حدودي لا يتجاوز عمقه أربعة كيلومترات.
هذا التحول ليس مجرد تعديل تكتيكي، بل هو اعتراف ضمني بفشل الرهان على الحسم العسكري السريع.
فقد أقرّ ضباط في جيش الاحتلال، خلال لقاءات مع مراسلين حربيين، بأن هدف “نزع سلاح حزب الله” بالقوة العسكرية غير قابل للتحقيق في المرحلة الراهنة.
هذا الإقرار يعكس تراجعاً جوهرياً في تقدير الموقف الإسرائيلي، خصوصاً بعد أكثر من شهر على بدء العمليات البرية دون تحقيق إنجاز نوعي يُذكر.
في الميدان، تبدو الصورة أكثر وضوحاً.
قوات الاحتلال التي حاولت التقدم في عمق الأراضي اللبنانية، وجدت نفسها في مواجهة تكتيكات قتالية معقدة تعتمد على الكمائن والاشتباك من مسافات صفر. وقد أظهرت التقارير الميدانية تكرار وقوع هذه القوات في كمائن محكمة، مع استمرار استهداف الدبابات وإحراقها في مواجهات مباشرة، ما أدى إلى استنزاف واضح في العديد والعتاد. ومع تصاعد الخسائر، بدأ الاحتلال بتقليص سقف طموحاته.
فبعد الحديث عن توغل يصل إلى 14 كيلومتراً، بات التركيز اليوم منصباً على إنشاء “حزام أمني” محدود بعمق 4 كيلومترات، يُقدَّم كخط دفاعي لحماية المستوطنات الشمالية.
هذا التراجع يعكس تقزيماً صريحاً لأهداف الحرب، ويؤكد أن ما كان يُطرح في بداية المواجهة لم يعد قابلاً للتنفيذ.
إلى جانب ذلك، كشفت المعارك عن ثغرات كبيرة في الأداء الاستخباراتي والعملياتي الإسرائيلي.
فغياب بنك أهداف دقيق، وعدم القدرة على تحديد مواقع القيادة الميدانية للمقاومة، حالا دون تحقيق تفوق نوعي يمكن أن يغيّر مسار المعركة.
في المقابل، نجحت المقاومة في الحفاظ على وتيرة إطلاق الصواريخ، بل وتطويرها نوعياً، لتصل إلى عمق المدن الكبرى كحيفا وتل أبيب، مستهدفة مواقع عسكرية حساسة كانت تُعتبر خارج دائرة التهديد.
في المحصلة، يبدو أن إسرائيل انتقلت من استراتيجية هجومية طموحة كانت تهدف إلى “تغيير وجه الشرق الأوسط”، إلى مقاربة دفاعية تسعى فقط لحماية جبهتها الشمالية ومنع الانهيار الأمني.
هذا التحول يعكس هزيمة بالنقاط في ميزان الميدان، وقد يتحول، مع استمرار الاستنزاف، إلى ضربة قاسية للعقيدة العسكرية الإسرائيلية التي لطالما قامت على الحسم السريع والتفوق البري. ما يجري اليوم في جنوب لبنان ليس مجرد معركة حدودية، بل اختبار حقيقي لقدرة إسرائيل على فرض معادلاتها بالقوة.
وحتى الآن، تشير الوقائع إلى أن هذا الاختبار لم يسرِ كما خُطط له في تل أبيب.