من مظلة واشنطن إلى أبواب طهران: لماذا تعيد دول الخليج حساباتها الاستراتيجية؟

كتب حسين مرتضى

تعيش المنطقة حالة غير مسبوقة من الترقب والانتظار، حيث تتجه الأنظار نحو مآلات الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما ينجم عنه من تطورات ميدانية وسياسية تتقاطع مع المواعيد الاستحقاقية في المنطقة والعالم. وفي ظل هذه الأجواء، يطرح السؤال المحوري نفسه: هل نحن أمام سياسة ردع تهدف إلى منع اندلاع مواجهة واسعة، أم أن ما يجري يمثل ترتيبات ميدانية وسياسية تمهد لعملية عسكرية؟

مؤشرات ميدانية وتحولات تكتيكية

تُبرز المتابعة العسكرية لمسار التحركات الأمريكية عدة دلالات عملية تضع المنطقة تحت المجهر:

  • تخفيض الحضور الدبلوماسي: تحذيرات وإجراءات إخلاء أو تقليص لكوادر السفارات والمصالح الأمريكية في العديد من دول المنطقة، إلى جانب تشديد الحراسات المحيطة بها.
  • تغيير التكتيك التسليحي: إبرام عقود مع شركات ومصانع تصنيع الصواريخ بعيدة المدى ذات القوة التدميرية العالية، مما يشير إلى تحول في طبيعة الحسابات العسكرية.
  • إدارة العمليات جوّاً: توجه القيادة العسكرية الأمريكية لنقل مراكز القرار والسيطرة إلى طائرات متطورة تُدار منها المعركة جواً؛ وذلك بهدف إبعاد القادة عن الميدان الجغرافي المباشر لتجنب الصواريخ الإيرانية، وتفادي استخدام القواعد الثابتة في الخليج وتلافي الخسائر البشرية المباشرة.
الهواجس الخليجية ورهانات الأمن الاقتصادي

تتضارب الرغبات الضمنية مع واقع الحسابات الميدانية لدى دول الخليج. فبينما تتمنى بعض القوى تجريد إيران من مكامن قوتها، يفرض الواقع السياسي والاقتصادي حسابات مختلفة كلياً.

إن التخوف الخليجي لا ينبع من تحول في المواقف السياسية بقدر ما يرتبط بخشية مباشرة من طبيعة الرد الإيراني. ففي حال استهداف المنشآت الإيرانية الحيوية، أعلنت طهران صراحة أن ردها سيتجاوز الحدود ليطال المرافق والموانئ والمنشآت الحيوية في المنطقة، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الاقتصادي والبنية التحتية لدول الخليج التي لا يمكنها تحمل تبعات مواجهة من هذا النوع.

وفي هذا السياق، تأتي الزيارات الأخيرة التي شهدتها طهران لوفود وشخصيات إقليمية بارزة من بينها مسؤولون من السعودية وباكستان وتركيا لتأكيد هذه المخاوف. ولم تكن هذه التحركات تحمل مبادرات جديدة بقدر ما كانت استكشافاً للموقف الإيراني، وبحثاً عن ضمانات لعدم زج المنشآت الخليجية في أتون أي صراع قادم.

انكسار مظلة الحماية وقواعد الاشتباك الجديدة

تؤكد هذه التحركات تحولاً استراتيجياً في فهم دول المنطقة لمعادلة الأمن الإقليمي. فقبل نحو عشر سنوات، طرحت طهران مبادرة لبناء استراتيجية دفاعية وأمنية مشتركة لشرق الخليج بعيداً عن التدخلات الأمريكية، غير أن تلك المبادرة قوبلت بالرفض اعتماداً على الوجود الأمريكي وقواعده كعنصر ردع.

أما اليوم، فقد أثبتت التحولات المتلاحقة أن واشنطن لم تعد قادرة على توفير الحماية لتلك القواعد أو حلفائها، بل باتت هي نفسها تبحث عن أساليب لحماية قواتها. إن هذا الواقع فرض قناعة مفادها أن إيران طرف رئيسي ولا يمكن تجاوزه في أي معادلة تتعلق بأمن المنطقة، وأن استقرار الخليج يرتبط تلازماً بالحوار المباشر مع طهران.

قراءة طهران وسيناريوهات المرحلة المقبلة

تتعاطى الجمهورية الإسلامية مع هذه الضغوط باعتبارها اختباراً لمعادلة الردع التي كرستها خلال السنوات الماضية، والتي تراها جزءاً أساسياً من مستقبلها وموقعها الإقليمي وقواعد الاشتباك في المنطقة.

وبناءً على المعطيات الميدانية والسياسية، تتجه المرحلة القادمة نحو أحد ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

  1. السيناريو الأول (استمرار التأهب والضغط): إبقاء المنطقة في حالة استنفار دائم مع الاعتماد على الحصار الاقتصادي والضغوط السياسية لمحاولة إخضاع إيران.
  2. السيناريو الثاني (الضربات المحدودة): تنفيذ ضربات موجهة ومحدودة، وهو سيناريو يبسط خطورته بناءً على طبيعة وحجم الرد الإيراني المتوقع.
  3. السيناريو الثالث (المواجهة الشاملة): الانزلاق نحو حرب واسعة في المنطقة، وهو خيار تترتب عليه تداعيات كارثية على الإقليم والعالم.

تبقى الأيام القليلة القادمة كفيلة بتوضيح الخيار الذي سترسو عليه المنطقة، في ظل سباق محتدم بين الدبلوماسية وحافة الانفجار.