تصريحات السفير الأميركي في لبنان… انزياح في لغة الوساطة وتثبيت لخطاب يخشى اللبنانيون تبعاته

تصريحات السفير الأميركي في لبنان… انزياح في لغة الوساطة وتثبيت لخطاب يخشى اللبنانيون تبعاته

كتب حسين مرتضى

أعادت التصريحات الأخيرة للسفير الأميركي في لبنان، آموس عيسى، خلط الأوراق في المشهد السياسي الداخلي، بعدما أكد أن المفاوضات الجارية بين واشنطن وتل أبيب وبيروت “لا تتعلق بوقف العدوان”، وأن العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب “موجهة حصراً ضد حزب الله”.

كلامٌ أثار جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب توقيته، بل بسبب ما يحمله من دلالات حول طبيعة الدور الأميركي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

فصل المفاوضات عن وقف النار… رسالة تتجاوز الدبلوماسية

منذ بدء التصعيد على الحدود الجنوبية، شكّلت المطالبة بوقف إطلاق النار أولوية لبنانية، رسمية وشعبية. ما قاله السفير الأميركي بدا وكأنه محاولة لإعادة تعريف وظيفة المفاوضات، من مسار لوقف العدوان إلى مسار للتفاهم على ترتيبات ما بعد الحرب.

هذا الانزياح في الخطاب، بحسب مصادر سياسية متابعة، ينقل الولايات المتحدة من موقع الوسيط إلى موقع الطرف المنخرط في إعادة رسم قواعد اللعبة، من دون الأخذ بعين الاعتبار واقع الدمار الذي لحق بعشرات القرى والبلدات الجنوبية.

فالقصف الذي يستهدف منازل المدنيين، والبنى التحتية، ومراكز الخدمات، لا يتيح مجالاً للقول إن العدوان محصور بطرف عسكري واحد. وعلى الرغم من وضوح المشهد الإنساني، يصرّ الخطاب الأميركي على فصل “المواجهة” عن آثارها الميدانية على السكان المحليين.

المدنيون… الحلقة الأضعف في رواية تتجاهل الوقائع

لم تمرّ تصريحات السفير من دون ردود فعل. سياسيون وناشطون رأوا فيها محاولة لتبرئة إسرائيل من الانتهاكات التي تطال المدنيين اللبنانيين، وتصوير الحرب على أنها مواجهة ثنائية بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله فقط.

لكن الصور الميدانية تقول شيئاً آخر:

  • قرى مهجّرة بالكامل،
  • عشرات الشهداء من المدنيين،
  • خسائر هائلة في الممتلكات،
  • وحياة يومية تحولت إلى نزوح دائم.

هذه الوقائع تجعل أي خطاب يتجاهلها أقرب إلى تبني الرواية الإسرائيلية منه إلى سرد محايد. وهو ما غذّى الانطباع الشعبي بأن واشنطن تميل بوضوح نحو تفسير الأحداث من زاوية الأمن الإسرائيلي وحده.

تقاطع الخطاب مع مواقف حزبية… وتوسيع الشرخ الداخلي

المفارقة أن تصريحات السفير وجدت صدى لها في مواقف بعض القوى اللبنانية، ومنها كلام رئيس حزب الكتائب سامي الجميل الذي أكد أن “المعركة مع حزب الله وليست مع لبنان”.

هذا التلاقي، الذي يبدو عفوياً على السطح، يعزز الانقسام الداخلي حول توصيف ما يجري. فبين من يرى أن العدوان يستهدف لبنان بكل مكوّناته، ومن يعتبره مواجهة موجهة ضد حزب الله تحديداً، تظهر البلاد أمام خطابَين متناقضَين يضعفان الجبهة الداخلية ويقلّلان من قدرة لبنان على إعادة فرض أولوياته على طاولة التفاوض.

مصدر سياسي بارز يرى أن أخطر ما في التقاطع بين المواقف الأميركية وبعض المواقف المحلية هو أنه يمنح إسرائيل “شرعية ضمنية” للاستمرار في العمليات العسكرية، ويحوّل النقاش من حماية لبنان إلى محاسبة طرف لبناني داخلي، في لحظة يفترض أن تكون فيها وحدة الموقف الوطني أولوية.

الوسيط أم الناطق باسم الموقف الإسرائيلي؟

لا يخفي كثيرون استغرابهم من لغة السفير الأميركي التي بدت مطابقة، في شكل واضح، للخطاب الإسرائيلي الرسمي.

وبينما يفترض أن تكون واشنطن وسيطاً يبحث عن مساحة مشتركة توقف الحرب وتعيد الاستقرار، ينظر جزء واسع من اللبنانيين إلى تصريحات السفير كخطوة تعزز الشكوك في حيادية الدور الأميركي.

ومع أن ذلك لا يعني عملياً أن الولايات المتحدة تخرج من دورها الدبلوماسي، إلا أنه يمنح الانطباع بأن واشنطن أقرب إلى الدفاع عن المصالح الإسرائيلية منها إلى لعب دور متوازن يراعي أمن اللبنانيين وحقوقهم.

أي مستقبل للمفاوضات؟

في ضوء هذا الخطاب، يبرز السؤال الأهم: ما هو مستقبل المفاوضات التي ترعاها واشنطن؟

إذا كانت لا تهدف إلى وقف النار، فماذا يبقى منها؟

وإذا كانت تركز على ترتيبات أمنية تتعلق بحزب الله فقط، فمن يتولى الدفاع عن حق لبنان في حماية أرضه وسكانه؟

يؤكد خبراء في الشأن الإقليمي أن أي مسار تفاوضي لا ينطلق من وقف العدوان لن يؤدي إلى تهدئة فعلية، بل إلى اتفاقات هشة قابلة للانهيار عند أي توتر. فيما يشدد آخرون على أن تجاهل البعد الإنساني للحرب سيعقد أي حل سياسي، لأن المجتمعات المحلية لن تقبل بتسويات لا تضمن أمنها وحقها في العودة إلى مناطقها.

خلاصة… أزمة خطاب أم أزمة دور؟

تصريحات السفير الأميركي ليست حدثاً عابراً. إنها تعبير عن منهجية سياسية تراهن على حصر الصراع بحزب الله، وتفصل المفاوضات عن وقف النار، وتعيد صياغة دور الوساطة بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية.

لكن المشكلة الأعمق ليست في الكلام وحده، بل في أثره على الداخل اللبناني، حيث يعمّق الانقسام ويضعف القدرة على إنتاج موقف وطني موحد.

لبنان اليوم في لحظة مفصلية. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الخطاب الدبلوماسي جزءاً من المعركة. فإما أن يساهم في حماية بلد صغير يواجه حرباً مدمرة، أو يتحول إلى أداة تسوّغ استمرار العدوان تحت عناوين تقنية وسياسية