صراع الإرادات في ساعاته الأخيرة: طهران وواشنطن بين كسر الجمود أو تثبيته

واشنطن بين التفاوض والتطبيع: هل يملك لبنان قرار المواجهة؟

كتب الإعلامي حسين مروض

تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث عُقد لقاء مباشر جمع ممثلين عن لبنان وكيان الاحتلال برعاية أمريكية، في خطوة وُصفت بأنها سابقة في الشكل والتوقيت، وتثير في مضمونها أسئلة تتجاوز البروتوكول إلى عمق السياسة والسيادة.

هذا اللقاء، الذي جمع السفيرة اللبنانية بالسفير الإسرائيلي بحضور السفير الأمريكي، لا يمكن قراءته كحدث عابر أو تقني. بل هو تحول نوعي في مسار التعاطي الرسمي، يفتح الباب أمام نقاش واسع حول مدى شرعية السلطة في اتخاذ قرارات بهذا الحجم، وحول ما إذا كان هذا المسار يحظى بإجماع وطني أم أنه يعمّق الانقسام الداخلي.

في خلفيات هذه الخطوة، تبرز علامات استفهام كبرى حول الدوافع الحقيقية للسلطة اللبنانية. هل نحن أمام محاولة جدية لوقف العدوان وتحقيق الاستقرار؟ أم أن الأمر يأتي في سياق التزامات غير معلنة تجاه الولايات المتحدة، تمهيداً لمسار تطبيعي يُقدَّم تحت عنوان “عملية السلام”؟ هذا السؤال لا يبدو ترفاً سياسياً، بل ضرورة لفهم ما يجري خلف الكواليس.

الأخطر في هذا السياق، هو ما يتعلق بمفهوم السيادة. فكيف يمكن التفاوض مع طرف لا يزال يحتل أجزاءً من الأرض اللبنانية؟ وأي منطق يقبل بتقديم تنازلات قبل تحقيق الانسحاب الكامل؟ هنا، يعود النقاش إلى الثوابت، وإلى موقع لبنان من الإجماع العربي، لا سيما مبادرة بيروت للسلام عام 2000، التي ربطت التطبيع بالانسحاب الكامل.

وفي مقارنة لافتة، يُطرح تساؤل حول سبب رفض إدراج لبنان ضمن مسارات تفاوضية إقليمية أخرى، كما في الحالة الباكستانية، حيث برزت محاولات لفرض تهدئة شاملة. في هذا الإطار، تُسجَّل إشارات إلى دور إيراني في التأثير على وقف الاعتداءات في مناطق محددة كالعاصمة والضاحية الجنوبية، مقابل استمرارها في مناطق أخرى، ما يفتح الباب أمام قراءة المشهد من زاوية التجاذبات السياسية الداخلية.

أما على الجانب الإسرائيلي، فالمعطيات المنقولة عن مصادر داخل كيان الاحتلال تشير إلى أن الهدف الفعلي من هذا اللقاء لا يتعلق بوقف إطلاق النار، بل يتركز على بند واحد: سحب سلاح المقاومة. وهو ما يضع السلطة اللبنانية أمام معادلة شديدة الحساسية، قد تدفعها إلى مواجهة مع شريحة واسعة من اللبنانيين، في حال انخراطها في هذا المسار.

في المقابل، يأتي خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ليؤكد على ثوابت مغايرة: رفض الاستسلام، التمسك بعناصر القوة، والتشديد على أن الميدان هو من يحدد مسار السياسة، لا العكس. كما يحذر من محاولات زرع الشقاق بين مكونات القوة في الداخل، من شعب وجيش ومقاومة.

ميدانياً، لا يمكن فصل السياسة عن الوقائع على الأرض. فالصمود الذي سُجّل في مناطق كبنت جبيل والخيام، رغم الحشود العسكرية الكبيرة، يشكل ورقة قوة كان يفترض أن تُستثمر سياسياً، لا أن تُقابل بمسارات تفاوضية قد تُفهم كتنازل أو تراجع.

في المحصلة، يقف لبنان أمام مفترق دقيق: بين خيار التفاوض بشروط الخارج، وخيار التمسك بعناصر القوة الداخلية. وبينهما، يبقى السؤال الأهم: من يملك قرار تحديد المسار، السلطة أم الشعب أم موازين الميدان؟