إيران والحرب المفتوحة: لماذا دخلت واشنطن وتل أبيب مرحلة المأزق الاستراتيجي؟

إيران والحرب المفتوحة: لماذا دخلت واشنطن وتل أبيب مرحلة المأزق الاستراتيجي؟

كتب الاعلامي حسين مرتضى

تشير المعطيات السياسية والعسكرية في المنطقة إلى أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة وأكثر تعقيداً، بعدما فشلت الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي في تحقيق الأهداف الأساسية التي وُضعت في الأسابيع الأولى من المواجهة.

فالمشروع الذي استهدف إضعاف البنية الدفاعية الإيرانية، وضرب منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإرباك الداخل الإيراني، لم ينجح في إنتاج النتيجة التي كانت تراهن عليها واشنطن.

هذا الفشل دفع الإدارة الأمريكية إلى الانتقال من هدف «الحسم العسكري» إلى محاولة صناعة «انتصار سياسي وإعلامي» يسمح للرئيس ترامب الخروج من الحرب من دون الاعتراف بالهزيمة.

ومن هنا بدأت سلسلة من السيناريوهات البديلة، شملت محاولات التسلل البري، والضغط على الممرات البحرية، وتحريك أدوات الفوضى الداخلية، إضافة إلى عمليات أمنية متعددة، إلا أن أياً منها لم يتمكن من تغيير التوازنات الميدانية بصورة حاسمة.

أبرز تطورات الأيام الأخيرة تمثلت في المحاولة الأمريكية لفرض فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية.

ووفق التقديرات الإيرانية، فإن هذه العملية انتهت إلى فشل واضح بعد مواجهة بحرية مباشرة شاركت فيها القوات البحرية التابعة للحرس الثوري والجيش الإيراني، ما أدى إلى إحباط الأهداف الأمريكية ومنع تغيير قواعد الاشتباك في الخليج.

وفي السياق نفسه، تُفسَّر التصريحات الأمريكية الأخيرة حول «تقدم المسار التفاوضي» باعتبارها جزءاً من محاولة احتواء تداعيات الإخفاق العسكري وتهدئة الأسواق الدولية، أكثر مما تعكس تحولاً حقيقياً في المفاوضات.

فحتى الآن، لا تزال المفاوضات تراوح مكانها، ولم تظهر مؤشرات جدية على الوصول إلى تسوية نهائية.

في المقابل، تتعامل طهران مع احتمال قيام الاحتلال الإسرائيلي بعمل عسكري جديد باعتباره احتمالاً قائماً، خصوصاً في ظل المؤشرات الميدانية والتحركات السياسية والإعلامية الأخيرة.

غير أن التقديرات داخل إيران تؤكد أن أي هجوم جديد سيقابل برد مختلف وأكثر قسوة واتساعاً من المراحل السابقة، في ضوء التغييرات التي أُنجزت خلال فترة وقف إطلاق النار على مستوى التخطيط والجاهزية العسكرية.

وترى طهران أن الحرب لم تعد تُحسم فقط بالقوة العسكرية المباشرة، بل بعامل الزمن أيضاً.

فاستمرار إغلاق مضيق هرمز والاضطراب في أسواق الطاقة العالمية بدأآ يفرضان ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد الدولي وعلى الوضع الداخلي الأمريكي، وهو ما يضع إدارة ترامب أمام تحديات سياسية واقتصادية متفاقمة.

كما تشير التقديرات الإيرانية إلى أن واشنطن تسعى، قبل وصول الأزمة إلى ذروتها، إلى فرض نهاية سياسية للحرب، سواء عبر اتفاق تفاوضي أو عبر عملية عسكرية محدودة تمنحها صورة «المنتصر».

إلا أن المشكلة الأساسية، وفق القراءة الإيرانية، تكمن في أن الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة لم تعد تضمن تحقيق نتيجة حاسمة، لا في الميدان ولا في السياسة.

وفي هذا الإطار، تؤكد طهران أنها تنظر إلى التفاوض باعتباره جزءاً من إدارة الصراع، وليس بديلاً عن المواجهة.

فالمسار السياسي، بالنسبة لإيران، يعمل بالتوازي مع الاستعدادات العسكرية والأمنية، ضمن غرفة قرار واحدة تجمع بين أدوات الميدان وأدوات السياسة. كذلك تشدد إيران على أنها لا تفصل بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي وحلفائهما الإقليميين في أي مواجهة مقبلة، وأن أي عمل عسكري ضدها سيقابل برد يشمل جميع الأطراف المنخرطة في الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

أما داخلياً، فتتجه الأولوية نحو تعزيز التماسك الوطني، ورفع القدرة الاقتصادية على الصمود، وتخفيف الضغوط المعيشية، بالتوازي مع مواجهة الحرب الإعلامية والنفسية التي ترافق التصعيد العسكري.

خلاصة المشهد أن المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية؛ مرحلة تمتزج فيها الحسابات العسكرية بالضغوط الاقتصادية والصراعات السياسية الداخلية في واشنطن وتل أبيب.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن إيران تراهن على استنزاف خصومها سياسياً واستراتيجياً، بقدر ما تراهن على قدرتها العسكرية، للوصول إلى نهاية تفرض فيها معادلة ردع جديدة في المنطقة.