بين «الوقت» الأميركي و«الضوء» الإسرائيلي: لبنان في ‏مهب الهيمنة المتجددة

كتب الاعلامي حسين مرتضى

‏في المشهد السياسي اللبناني الراهن، يبدو الحديث عن “هدنة” أو “ترتيبات أمنية” أشبه بالقبض على الريح.

الحقيقة التي لا يمكن حجبها بغربال الدبلوماسية هي أن ما يجري ليس بحثاً عن استقرار مستدام، بل هو تمديد مبرمج لـ”هدنة غير موجودة” أساساً على أرض الواقع، حيث تصمّ الطائرات وتدفق الدماء آذان أي تسوية عادلة.

‏القراءة المتأنية لما تمخضت عنه اللقاءات الأخيرة بين الجانب الإسرائيلي والسلطة في لبنان برعاية أميركية، لا يمكن إدراجها إلا في مسار واحد:

تقاطُع مصالح ثلاثي يهدف إلى إعادة صياغة توازنات المنطقة على حساب السيادة اللبنانية.

واشنطن وشراء الوقت الإقليمي: يريد الأميركي مزيداً من المماطلة وتمديد الوقت، ليس رغبة في حقن الدماء، بل بانتظار ما ستسفر عنه كواليس المفاوضات الأميركية – الإيرانية (المسار الباكستاني)؛ إذ تسعى واشنطن لتحديد أفق هذا المسار وصياغة صفقة إقليمية كبرى تكون لها اليد العليا فيها.

تل أبيب وفرض الأمر الواقع: في المقابل، يستغل الإسرائيلي هذا الوقت الممنوح له أميركياً بالكامل، محاولاً تحقيق قضم ميداني وواقع عسكري جديد على الأرض لـيَبني عليه شروطه ويفرضه كأمر واقع في أي تفاوض مستقبلي.

‏تفكيك الجبهات والاستفراد بلبنان ‏أخطر ما تحمله هذه الدبلوماسية “المفخخة” هو السعي الدؤوب للاستفراد بلبنان وعزله عن امتداده وجبهات الإسناد الإقليمية.

الهدف الآني والواضح الذي يلتقي عليه الأميركي والإسرائيلي، وتتماهى معه طروحات السلطة في لبنان،

يتلخص في ثلاثية خطيرة: ‏تجريد لبنان من سلاح مقاومته: انتزاع عناصر القوة الردعية التي منعت استباحة البلد على مدار عقود، وجعله مكشوفاً أمنياً وسياسياً. ‏قطار التطبيع: وضع لبنان كلياً، وبقوة الأمر الواقع العسكري والاقتصادي، على سكة التطبيع لحسم هويته السياسية في “الشرق الأوسط الجديد”.

‏الهيمنة الكلية: استكمال خطة إخضاع القرار السياسي اللبناني ليكون ملحقاً بالكامل بالمحور الغربي-الإسرائيلي وتجريده من أي هامش للمناورة. ‏الرهان على الوعي لا على السراب ‏الرهان اليوم على تسويات ترعاها واشنطن كـ “وسيط” هو رهان على سراب؛ فالإدارة الأميركية تدير التفاوض بـقُبّعة الشريك والمخطط الذي يشتري الوقت بانتظار نضوج مساره التفاوضي مع إيران. ‏

أي محاولة لتجريد لبنان من أوراق قوته تحت وطأة الضغط العسكري لن تنتج استقراراً، بل ستفتح الباب أمام شرعنة الهيمنة الكلية على بلدٍ يُراد له أن يسقط كجائزة ترضية سياسية في الصالونات المغلقة،

بعد أن عجزوا عن إسقاطه في الميدان. الكرة اليوم ليست في ملعب الوعود الأميركية “المؤقتة”، بل في وعي الشارع ومكامن القوة التي تدرك تماماً أن ما يُعرض خلف الكواليس ليس سلاماً، بل هو خطة إخضاع مغلفة بالدبلوماسية.