بين الرد الإيراني ومعادلات الردع… إلى أين تتجه الجبهة اللبنانية؟

كتب الإعلامي حسين مرتضى

لم يعد ممكناً قراءة ما جرى في الأيام الأخيرة باعتباره مجرد تبادل محدود للرسائل العسكرية بين إيران والاحتلال الإسرائيلي. المنطقة دخلت عملياً مرحلة جديدة من تثبيت المعادلات، حيث لم يعد لبنان ساحة منفصلة عن المشهد الإقليمي، بل بات جزءاً أساسياً من معادلة اشتباك واسعة تحاول طهران من خلالها منع الاحتلال من الاستفراد بالجبهة اللبنانية أو فرض وقائع ميدانية جديدة بالقوة.

الرد الإيراني الأخير لم يكن حدثاً معزولاً، بل جاء في توقيت شديد الحساسية، بعد أشهر من الاعتداءات المتكررة على الضاحية الجنوبية وقرى الجنوب اللبناني، ومحاولات إسرائيلية واضحة لإعادة رسم قواعد الاشتباك وفق منطق الضغط العسكري المفتوح. لذلك يمكن فهم الرد الإيراني باعتباره رسالة مباشرة تقول إن استباحة لبنان لن تبقى بلا أثمان، وإن أي محاولة لتغيير موازين الردع ستُواجَه برد يتجاوز الحدود اللبنانية نفسها.

في المقابل، برزت في الداخل اللبناني أصوات اعترضت على إدراج الملف اللبناني ضمن التفاوض الإيراني – الأمريكي، تحت عنوان “السيادة اللبنانية”. لكن السؤال الحقيقي هنا: أين كانت هذه السيادة عندما كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف الضاحية والجنوب يومياً؟ وأين كانت الدبلوماسية الدولية عندما تحولت القرى الجنوبية إلى ساحات استباحة مفتوحة؟

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن الأولوية اليوم ليست للنقاش النظري، بل لوقف العدوان. وأي جهد سياسي أو عسكري يساهم في حماية لبنان ومنع الاحتلال من فرض شروطه بالقوة هو جهد يصب في المصلحة اللبنانية أولاً وأخيراً. إيران، وفق الوقائع القائمة، لا تتفاوض من أجل السيطرة على القرار اللبناني كما يحاول البعض الترويج، بل تعمل على فرض وقف للأعمال العدائية ومنع الاحتلال من تثبيت احتلاله للنقاط التي توغل فيها خلال الأشهر الماضية.

المشكلة الأساسية تكمن في أن الدبلوماسية اللبنانية الرسمية ما زالت تتعامل مع العدوان بمنطق رد الفعل الهادئ، فيما يستغل الاحتلال هذا المسار السياسي لتوسيع دائرة القصف وفرض وقائع ميدانية جديدة، مستنداً إلى غطاء أمريكي واضح، أو على الأقل إلى صمت دولي مقصود.

وفي موازاة ذلك، تعكس تصريحات قادة الاحتلال حجم الأزمة الإسرائيلية الحقيقية. عندما يهدد وزير الخارجية الإسرائيلي بمعادلة “قصف الضاحية مقابل أي هجوم على الشمال”، فهو عملياً يعترف بأن الجبهة الداخلية الإسرائيلية باتت تحت ضغط دائم، وأن المقاومة استطاعت فرض معادلة ردع متبادلة، رغم كل حجم النار والتدمير.

ما تحاول “إسرائيل” تجاهله هو أن عمليات المقاومة ليست عملاً هجومياً منفصلاً عن السياق، بل هي رد مباشر على المجازر وتدمير القرى واستهداف المدنيين. ومن هنا تتمسك المقاومة ومعها جزء كبير من اللبنانيين بالنقاط الخمس التي تشكل أساس أي حل حقيقي: وقف العدوان، انسحاب الاحتلال، إعادة الإعمار، عودة الأهالي، وتحرير الأسرى.

أما ميدانياً، فالفجوة تتسع بين الخطاب الإسرائيلي والواقع العسكري. الاحتلال دخل الحرب وهو يتحدث عن الوصول إلى بيروت واحتلال الجنوب، لكنه اصطدم بميدان مختلف تماماً. المقاومة نجحت في استنزاف القوات المتوغلة، وألحقت خسائر مباشرة بالآليات والدبابات، وأسقطت عملياً صورة “الحسم السريع” التي حاولت تل أبيب تسويقها منذ بداية الحرب.

ورغم ذلك، ما يزال هذا الإنجاز الميداني يفتقد إلى غطاء سياسي لبناني قادر على استثماره دبلوماسياً. فالمقاومة تقاتل في الميدان، بينما لا تزال السلطة الرسمية تراهن على وساطات أثبتت حتى الآن عجزها الكامل عن وقف العدوان أو فرض أي التزام إسرائيلي.

وفي كل مرة يُعاد فتح ملف “سلاح المقاومة”، تتكرر الاتهامات نفسها حول “الدولة داخل الدولة”، بينما تتجاهل هذه الحملات حقيقة أساسية: المقاومة التزمت بالقرار 1701 وبالترتيبات الدولية بعد اتفاق تشرين 2024، فيما كان الاحتلال يواصل الخروقات والاعتداءات دون أي رادع.

الأخطر من ذلك أن الولايات المتحدة نفسها تمنع تسليح الجيش اللبناني بمنظومات دفاع جوي حقيقية، تماماً كما تعرقل تطوير قدرات الجيوش العربية الأخرى، بهدف إبقاء الأجواء مفتوحة أمام التفوق الإسرائيلي الكامل. وعندما يُمنع الجيش من امتلاك أدوات الدفاع، يصبح الحديث عن “بديل للمقاومة” مجرد شعار سياسي بلا أي مضمون عملي.

المرحلة المقبلة تبدو مفتوحة على احتمالات واسعة، لكن الثابت حتى الآن أن الميدان في جنوب لبنان أعاد تثبيت معادلات جديدة. الاحتلال لم ينجح في كسر المقاومة، والمقاومة نجحت في منع فرض الوقائع الإسرائيلية بالقوة، فيما يبقى التحدي الحقيقي أمام الدولة اللبنانية هو كيفية تحويل هذه القوة الميدانية إلى موقف سياسي موحد يحمي السيادة اللبنانية فعلاً، لا بالشعارات، بل بفرض الحقوق الوطنية كاملة، من وقف العدوان إلى تحرير الأرض والأسرى وإعادة إعمار ما دمره الاحتلال.