حرب مفتوحة أم استنزاف محسوب؟ قراءة في رسائل الميدان ومستقبل التفاوض

كتب الاعلامي حسين مرتضى

شهدت الساعات الماضية جولة جديدة من المواجهة المباشرة والمدروسة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، تمثّلت في اعتداء أمريكي أعقبه رد إيراني سريع وحاسم. وتفتح هذه التطورات الميدانية المتسارعة الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة المرحلة الراهنة: هل نحن أمام “معركة الساعات” التي تمتد إلى أكثر من جبهة، أم أنها جولة جديدة من حرب الاستنزاف المستمرة في المنطقة؟

معادلة الرد ووحدة الساحات

أعادت التطورات الأخيرة، ولا سيما الرد الإيراني على العدوان الإسرائيلي الذي استهدف الضاحية الجنوبية لبيروت قبل أيام، تثبيت معادلة “وحدة الساحات” بصورة أكثر وضوحاً وعمقاً. كما أظهرت الوقائع الميدانية وجود تنسيق عملياتي يمتد بين إيران ولبنان والعراق واليمن، ضمن أطر محددة تتناسب مع طبيعة العدوان والتطورات الميدانية المتلاحقة.

وعلى الرغم من جولات “جس النبض” المتكررة بين الأطراف المختلفة، فإن المؤشرات الحالية تفيد بعدم وجود رغبة لدى أي من الطرفين، الأمريكي أو الإيراني، في الانزلاق نحو حرب شاملة ومفتوحة. ومع ذلك، تبقى حرب الاستنزاف الخيار الأكثر حضوراً، إذ تسعى واشنطن إلى إبقاء المواجهة ضمن هذا السقف لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وممارسة المزيد من الضغوط، فيما يمتلك محور المقاومة أوراق قوة مقابلة، أبرزها التأثير في الممرات المائية الحيوية والقدرة على التعامل مع تداعيات الحصار والعقوبات.

دلالات عسكرية ورسائل ميدانية

حملت مواجهات الساعات الأخيرة مجموعة من الدلالات العسكرية المهمة، أبرزها:

أولاً: سرعة المبادرة
جاء التحرك الإيراني الأخير بمثابة رد مباشر على الرسائل الأمريكية ومحاولات اختبار حدود الرد الإيراني في المنطقة.

ثانياً: اختبار منظومات الدفاع الجوي
أظهرت التطورات الميدانية قدرة الصواريخ الإيرانية على الوصول إلى أهدافها رغم منظومات الدفاع المتعددة، ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية تلك المنظومات في مواجهة هجمات واسعة النطاق، ويمنح طهران هامشاً أكبر للمبادرة في أي مواجهة مقبلة.

ثالثاً: توسيع بنك الأهداف
حملت بيانات مقر “خاتم الأنبياء” رسائل تحذيرية واضحة بشأن إمكان توسيع نطاق الاستهداف ليشمل مواقع ومنشآت حيوية في حال اتسعت دائرة المواجهة، وهو ما انعكس عملياً في استهداف مواقع ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية داخل الأراضي المحتلة.

عقدة المفاوضات ومأزق انعدام الثقة

على المستوى الدبلوماسي، لا تزال المفاوضات الجارية تواجه عقبة أساسية تتمثل في غياب الثقة والضمانات المتبادلة بين الأطراف المعنية. فالقيادة الإيرانية لا تنظر إلى الوعود الأمريكية باعتبارها ضمانة كافية، كما أن المقاومة في لبنان تشكك في التزام الاحتلال الإسرائيلي بأي تفاهمات طويلة الأمد، فيما تتمسك الأطراف الأخرى بمواقف مشابهة.

ومن هنا، فإن الوصول إلى اتفاقات نهائية يتطلب توفير ضمانات عملية وقابلة للتنفيذ. ففي الملف اللبناني، يتركز النقاش حول مدى التزام الاحتلال بالانسحاب ووقف الاعتداءات وتثبيت وقف إطلاق النار. أما في الملف الإيراني، فتبرز ملفات العقوبات والأموال المجمدة وضمانات عدم تكرار الاعتداءات، إضافة إلى مستقبل الترتيبات الأمنية المرتبطة بمضيق هرمز وسائر جبهات المنطقة.

الخلاصة

لا يزال المشهد الإقليمي مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل مراهنة جميع الأطراف على عامل الوقت والتطورات المقبلة. وبين خيار “معركة الساعات” المحدودة وحرب الاستنزاف الطويلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، يسعى خلالها كل طرف إلى تحسين شروطه السياسية والميدانية والتفاوضية، بانتظار ما إذا كانت الجهود الدبلوماسية ستنجح في إنتاج تفاهمات جديدة، أم أن التصعيد سيبقى اللغة الأكثر حضوراً في المرحلة المقبلة.