بين ثغرات الدفاع الجوي ومحاولة تصدير الأزمة: لماذا يُتهم العراق؟
كتب الإعلامي حسين مرتضى
خلال ذروة الحرب على إيران، وكذلك أثناء العمليات التي نفذتها القوات اليمنية إسنادًا لغزة، كانت السعودية تعلن بصورة شبه يومية عن رصد واعتراض الصواريخ والمسيّرات التي تدخل أجواءها، وتؤكد قدرة منظوماتها الدفاعية على اكتشاف التهديدات والتعامل معها قبل وصولها إلى أهدافها.
لكن المشهد يبدو مختلفًا في الرواية السعودية الأخيرة، إذ يُقال إن مسيّرة تمكنت من الوصول إلى هدف داخل الأراضي السعودية، قبل أن تُوجَّه أصابع الاتهام إلى العراق باعتباره مصدر إطلاقها.
وهنا يبرز سؤال أساسي: إذا كانت المنظومات السعودية قادرة على رصد واعتراض التهديدات الجوية خلال فترات التصعيد السابقة، فكيف أصبحت هذه المسيّرات قادرة على اختراق المجال الجوي والوصول إلى أهدافها دون اكتشافها أو اعتراضها في الوقت المناسب؟
إن محاولة ربط الاستهداف بالعراق تفتح الباب أمام تساؤلات إضافية حول طبيعة الأدلة التي تستند إليها هذه الرواية، ولا سيما في ظل الحديث عن منصات إطلاق قيل إنها موجودة في مناطق عراقية. فالمسألة لا تتعلق فقط بتحديد مصدر المسيّرة، بل بكيفية انتقال الاتهام من مجرد فرضية إلى رواية سياسية وإعلامية يجري تقديمها للرأي العام.
ومن هذه الزاوية، تبدو الرواية أقرب إلى محاولة لإعادة توزيع المسؤولية عن الخلل، عبر الإيحاء بأن السعودية تواجه تهديدات متعددة المصادر، وأن ما تتعرض له ليس مرتبطًا بجبهة واحدة أو طرف واحد. فبدل أن يبقى النقاش محصورًا في مدى فاعلية المنظومات الدفاعية السعودية وقدرتها على حماية المنشآت الحيوية، يجري نقل التركيز إلى اتهام دولة أخرى وفتح مسار سياسي وأمني جديد.
وفي المقابل، فإن التطورات السابقة أظهرت أن الحرب على اليمن لم تمنع القوات اليمنية من الوصول بمسيّراتها وصواريخها إلى العمق السعودي، بما في ذلك منشآت اقتصادية وحيوية. وبالتالي، فإن أي قراءة للمشهد الحالي لا يمكن فصلها عن هذا السياق الطويل من المواجهة، ولا عن التساؤلات التي رافقت أداء منظومات الدفاع الجوي السعودية في التعامل مع الهجمات بعيدة المدى.
وعليه، فإن اتهام العراق، إذا لم يُدعّم بأدلة واضحة وقابلة للتحقق، قد يتحول إلى محاولة للبحث عن مخرج داخلي من تداعيات الاستهداف، خصوصًا إذا كان الهدف هو إقناع الجمهور بأن المشكلة لا تكمن في قدرة الخصوم على اختراق المنظومة الدفاعية، بل في تعدد الجهات التي تستهدف المملكة.
في المحصلة، لا يبدو أن المسألة تقتصر على مسيّرة وصلت إلى هدفها، بل تتصل أيضًا بإدارة الرواية السياسية والأمنية لما جرى. فحين يصبح تحديد الجهة المسؤولة جزءًا من الصراع على الوعي الداخلي، فإن السؤال الأهم لا يعود فقط: من أطلق المسيّرة؟ بل أيضًا: كيف وصلت إلى هدفها، ولماذا لم تُكتشف قبل ذلك؟
وبهذا المعنى، قد يكون تحميل العراق المسؤولية محاولة لتحويل الأنظار عن الأسئلة الأصعب المتعلقة بالقدرات الدفاعية، وعن الضغوط السياسية والأمنية الداخلية التي تواجهها الرياض، في وقت بدأت فيه التناقضات داخل بنية الحكم نفسها تظهر بصورة أكثر وضوحًا.