حرب الأدمغة وسيناريوهات المواجهة الكبرى: قراءة في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية الجديدة

كتب الإعلامي حسين مرتضى

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والتهديدات المتبادلة، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة الموقف الإيراني الراهن، والسيناريوهات المحتملة لأي مواجهة كبرى قد تبادر إليها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي. إن القراءة المتأنية للواقع الإيراني والتحولات الميدانية والعسكرية تؤكد أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن حرب الأدمغة قد بدأت فعلياً بمعادلات ردع جديدة لا تترك خطوطاً حمراء تقليدية.

أولاً: رجحان كفة المواجهة وغياب القيود التقليدية

على الرغم من صعوبة التنبؤ المطلق بتوقيت ساعة الصفر، إلا أن المؤشرات الميدانية والسياسية ترجح احتمال وقوع المواجهة. غير أن القيادة الإيرانية والدوائر العسكرية تؤكد بثقة تامة أن أي عدوان جديد لن يحقق أهدافه، بل سيفشل حتماً وستخرج إيران منه منتصرة وبزمن قياسي مقارنة بالتوقعات الغربية.

الجديد في هذه المرحلة هو التخلي عن دور “المتلقي للمبادرة” الذي اتسمت به الجولات السابقة؛ فإيران اليوم تمتلك زمام المبادرة لشن ضربات استباقية متى اقتضت الضرورة، مع اعتبار أي حصار بحري أو اقتصادى عملاً حربياً صريحاً يبيح الرد العسكري المشروع والمباشر دون تردد.

ثانياً: الخبرة المتراكمة و”استراتيجية الغموض الحربي”

تستند إيران في معركتها المحتملة إلى رصيد كبير من الخبرة الميدانية والاستثنائية التي اكتسبتها القوات المسلحة والقادة العسكريون خلال المواجهات السابقة. ويتم إدارات النظام بمركزية وحنكة عالية تحت قيادة متمرسة تقر حتى الدوائر المعادية ببراعتها.

ولضمان التفوق الاستراتيجي، تتبنى طهران استراتيجية الغموض الحربي وحجب النمط السلوكي؛ إذ يتم إبقاء الخطط العملياتية غامضة تماماً وصعبة التوقع أمام العدو، مع التحرر الكامل من الخطوط الحمراء والقيود السابقة. إن عدم التطرق لتفاصيل الخطط إعلامياً لا يعني غياب التخطيط، بل هو تدبير مقصود لصون عنصر المفاجأة في الجغرافيا والزمان والنوعية.

ثالثاً: الحرب المعرفية والنفسية.. سلاح العدو الأبرز

تدرك طهران جيداً أن العدو لن يكتفي بترسانته العسكرية، بل سيُفعل فوراً حزمه معرفية ونفسية متكاملة عبر وسائل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. تهدف هذه الحرب النفسية إلى:

  1. كسر الحضور الجماهيري: إحداث صدمة معرفية تؤدي إلى انهيار معنوي مفاجئ وشعور زائف بالهزامية.
  2. بث الفرقة والشقاق: استنزاف طاقات الشعب وتقويض الثقة الداخلية بالقيادة والمسؤولين لإحداث تصادم داخلي.
  3. ترويج شائعات الاغتيالات: محاولة إشاعة استهداف القيادات العليا لجمع المعلومات أو إجبار المسؤولين على الظهور لنفيها؛ وهي أساليب خائبة فاشلة لامتلاك إيران منظومة بدائل قيادية متعاقبة وكفؤة.

في مواجهة ذلك، فإن الواجب الوطني الأول يتمثل في خلق مشهد مبهر للوحدة الوطنية، وتجاوز كل الأجواء المضللة التي تعزف على وتر التشكيك وتخدم رواية العدو.

رابعاً: إقطاع السردية المعادية وإسقاط أكذوبة “مسؤولية إيران عن الحرب”

من أبرز الألاعيب الإعلامية للعدو محاولة الترويج بأن إيران هي المسؤولة عن اندلاع الحرب بحجة رفضها المفاوضات أو تنصلها من التفاهمات. والحقيقة الناصعة أن طهران بذلت قصارى جهدها لدرء الحرب، بينما استمر غدر التحالف الأمريكي – الإسرائيلي.

المبادرة الإيرانية ذات الشروط الواضحة لا تزال على الطاولة، وإذا ما فُرضت المواجهة، فإن الرد سيكون شاملاً وموجهاً ضد قواعد الاحتلال والأمريكيين معاً، دون الفصل المصطنع بين الطرفين الإسرائيلي والأمريكي (كما ظهر في سيناريو الياقات الضيقة أو حرب الأيام الاثني عشر).

خامساً: الخاتمة.. خارج الجدول الزمني للخصم

تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل دائماً إلى هندسة حروب خاطفة ومحدودة تخدم أهدافهم السياسية وتُبقي توقيت البداية والنهاية بأيديهم. غير أن الإرادة الإيرانية ثابتة على إخراج الحرب عن الجدول الزمني للعدو، وفرض معادلة استنزاف حقيقية تجعل من أي عدوان تجربة مريرة ومكلفة للغاية للخصوم.

إن معركة الأدمغة قد انطلقت، وإرادة الصمود والردع هي الفيصل في رسم خارطة المنطقة الجديدة.