التشييع التاريخي… صفعة لمحاولات العزل الأمريكية

كتب الإعلامي حسين مرتضى

قبل ساعات من مراسم تشييع الإمام القائد الشهيد السيد علي الخامنئي، كانت واشنطن تخوض معركة من نوع آخر. لم تكن معركة عسكرية ولا سياسية بالمعنى التقليدي، بل كانت محاولة لفرض حصار دبلوماسي على حدث أرادت له أن يبدو معزولًا وفقيرًا بالحضور الرسمي الدولي.

المعلومات التي توافرت تؤكد أن الإدارة الأمريكية مارست ضغوطًا واسعة على عدد من الدول العربية والإفريقية، عبر قنواتها الدبلوماسية وسفاراتها، لمنع إرسال وفود رسمية للمشاركة في مراسم التشييع. بل إن بعض الدول، وخصوصًا في القارة الإفريقية، تلقّت رسائل حملت تهديدات مباشرة في حال قررت المشاركة على المستوى الرسمي، في محاولة واضحة لخفض مستوى التمثيل وإيصال رسالة سياسية مفادها أن إيران تقف وحيدة.

لكن ما جرى على أرض الواقع كان مختلفًا تمامًا.

فالرهان الأمريكي اصطدم بمشهد غير مسبوق من الحضور الشعبي، حيث احتشد ملايين الإيرانيين منذ ساعات الفجر الأولى في مصلى الإمام الخميني وفي محيطه، بعدما أمضت أعداد كبيرة منهم ليلتها في المكان لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على الإمام الشهيد. هذا المشهد الشعبي الكثيف لم يكن مجرد مراسم تشييع، بل كان استفتاءً جماهيريًا واسعًا حمل رسائل سياسية تتجاوز حدود إيران.

وشارك في مراسم الصلاة كبار المسؤولين في الجمهورية الإسلامية، وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية الدكتور مسعود بزشكيان، ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، إلى جانب كبار المسؤولين والعسكريين وأفراد أسرة الشهيد، فيما أمّ الصلاة آية الله جعفر سبحاني، وأُقيمت مراسم التكريم العسكري الرسمية قبل أداء صلاة الجنازة.

أما الرسالة الأبرز، فقد جاءت من الجماهير التي رفعت الرايات ورددت الهتافات المطالبة بالانتقام لدم الشهيد، في مشهد أكد أن اغتيال القيادات لا يؤدي إلى كسر إرادة الشعوب، بل إلى تعزيز حالة الالتفاف الشعبي والسياسي.

لقد أرادت الولايات المتحدة أن تحاصر الحدث دبلوماسيًا، لكنها وجدت نفسها أمام واقع مختلف؛ فالمشهد الجماهيري الهائل غطّى على كل محاولات تقليص الحضور الرسمي، وأثبت أن شرعية الأحداث الكبرى لا تُقاس بعدد الوفود التي تصل تحت ضغط أو إكراه، بل بحجم الالتفاف الشعبي الذي تعجز كل أدوات الضغط عن منعه.

مرة جديدة، تكشف الوقائع أن سياسة التهديد والابتزاز التي تعتمدها واشنطن لم تعد قادرة على صناعة المشهد كما تريد، وأن محاولاتها لعزل خصومها تصطدم بإرادة الشعوب قبل مواقف الحكومات.

وهكذا، انتهت الضغوط الأمريكية إلى نتيجة معاكسة لما خُطط لها؛ فبدل أن يتحول التشييع إلى مناسبة محدودة، أصبح حدثًا تاريخيًا أكد أن الرهان على العزل قد سقط، وأن الرسائل التي خرجت من طهران كانت أقوى من كل التهديدات الدبلوماسية.