السكرتير العسكري يكشف كواليس ما قبل 7 أكتوبر: نتنياهو عرف التحذيرات ورفض التوصيات
قرر آفي غيل، السكرتير العسكري السابق لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، كسر صمته بعد ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر، كاشفاً عن تفاصيل تتعلق بالتحذيرات الاستخباراتية التي سبقت الهجوم، والقرارات التي اتُّخذت في تلك المرحلة، وما وصفه بمحاولات لتغيير الوقائع وتوجيه المسؤولية بما يخدم رواية سياسية محددة.
وقال غيل إن قراره التحدث جاء في ظل عدم تشكيل لجنة تحقيق رسمية، وبعد طلبات من عائلات ثكلى وعائلات أسرى سابقين للإدلاء بشهادته، فضلاً عن بلوغ ما وصفه بـ«الخط الأحمر» نتيجة الأكاذيب وأنصاف الحقائق التي رافقت النقاش بشأن أحداث 7 أكتوبر.
نتنياهو تلقى التحذيرات قبل الهجوم
وأكد غيل أن نتنياهو كان على علم بالتحذيرات التي سبقت الهجوم، بما فيها التحذيرات بشأن تآكل الردع، والرسائل التي نقلها رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق عميت ساعر، و«إنذار الحرب» الذي قدمه رئيس الشاباك رونين بار، من دون تحديد وقت أو مكان وقوعها.
وبحسب غيل، رفض نتنياهو عقد نقاش مشترك يضم رؤساء الجيش والشاباك والموساد، مفضلاً الاجتماع بكل منهم على حدة. كما يقول إن نتنياهو ربط التحذيرات التي تلقاها بالاحتجاجات التي شهدتها إسرائيل ضد الحكومة، والمعروفة باحتجاجات «كابلان».
وتسلط هذه الشهادة الضوء على طبيعة المعلومات التي وصلت إلى المستوى السياسي قبل الهجوم، وعلى كيفية التعامل معها في وقت كانت فيه المؤشرات الأمنية تتزايد بشأن احتمال وقوع تصعيد واسع.
توصيات لاغتيال قادة حماس رُفضت
وكشف غيل أن توصيات باستهداف ناشطين في قطاع غزة، وصولاً إلى طرح سيناريوهات لاغتيال يحيى السنوار ومحمد الضيف، قُدمت مراراً، لكنها رُفضت في ظل سياسة تجنب التصعيد والسعي إلى تحقيق التطبيع مع السعودية.
ويرى غيل أن المسؤولية عن هذه القرارات تقع على عاتق رئيس الحكومة، سواء وافق على التوصيات الأمنية أو قرر رفضها، معتبراً أن اتخاذ القرار النهائي لا يعفي المستوى السياسي من المسؤولية عن تبعاته.
وفي هذا السياق، يرفض غيل محاولات تحميل رؤساء الأجهزة الأمنية مسؤولية منفردة عن الإخفاقات التي سبقت 7 أكتوبر، مؤكداً أن اتهامهم بـ«الخيانة» يُستخدم، بحسب رأيه، لفصل المستوى السياسي عن مسؤوليته عن الهجوم.
كما يشير إلى أن الوثائق التي عُرضت على مراقب الدولة لا تمثل، وفقاً لما كشفه، مجمل الوثائق ذات الصلة بالقضية.
صباح 7 أكتوبر: مكالمات وتوقيتات مثيرة للجدل
وفي ما يتعلق بساعات الصباح الأولى من 7 أكتوبر، يقول غيل إن الشاباك أيقظه عند الساعة 06:12، وإنه اتصل بنتنياهو بعد بدء إطلاق النار، في مكالمة استمرت أقل من دقيقة، قبل إجراء مكالمة أخرى أكثر وضوحاً عند الساعة 06:40.
ويؤكد أن المعلومات الاستخباراتية وصلت إلى مكتب رئيس الحكومة، موضحاً أن الجهات الأمنية لا تتصل بنتنياهو مباشرة خارج القنوات المعتمدة، وأن التواصل معه يجري عبر السكرتير العسكري. كما يقول إن نتنياهو لم يطلب، صباح ذلك اليوم، التحدث مع رئيس الأركان أو رئيس الشاباك.
لكن التطور الأبرز في رواية غيل يتعلق بتوقيت إحدى المكالمات، إذ كشف أن رئيس طاقم مكتب نتنياهو، تساحي برافرمان، غيّر بخط يده توقيت المكالمة من الساعة 06:40 إلى الساعة 06:29، رغم وجود توقيع رقمي على الوثيقة.
وأضاف غيل أنه أبلغ المستشارة القضائية بهذا الأمر، واصفاً ما جرى بأنه «نمط إجرامي» يخدم، بحسب تقديره، رواية مفادها أن نتنياهو كان الشخص الوحيد الذي تحرك منذ اللحظات الأولى للهجوم.
وتضع هذه المزاعم مسألة توثيق الاتصالات خلال الساعات الحاسمة من الهجوم في صلب الجدل بشأن تسلسل الأحداث، وما إذا كانت السجلات قد عُدّلت بما يؤثر في تحديد المسؤوليات.
طائرة استخبارات مصرية ووقائع لا تزال مخفية
وتطرق غيل إلى معلومات تتعلق بهبوط طائرة استخبارات مصرية وبقائها أكثر من ساعة، مشيراً إلى وجود لقاء أو رسالة لم يُبلّغ عنها، ولا تزال تفاصيلها مخفية حتى الآن.
وفي ما يتعلق بالتقارير عن اتصال محتمل بين نتنياهو ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، لم يؤكد غيل حصول المكالمة، لكنه قال إن إجراء اتصال من هذا النوع من دون علم السكرتير العسكري ليس أمراً سليماً.
وتبقى هذه المسائل، وفق ما ورد في شهادته، جزءاً من الأسئلة التي تحتاج إلى توضيح ضمن تحقيق شامل في الظروف التي سبقت الهجوم والاتصالات التي جرت خلاله.
صفقة الأسرى الثانية أُحبطت تحت ضغط سياسي
وفي ملف المفاوضات، قال غيل إنه بعد إبرام صفقة الأسرى الأولى في نوفمبر 2023، كانت هناك إمكانية للتوصل إلى صفقة أخرى تتيح إعادة عدد أكبر من الأسرى الأحياء.
لكنه أشار إلى أن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أوقف المسار بتهديده بإسقاط الحكومة، ما دفع نتنياهو، بحسب روايته، إلى إصدار تعليمات بعدم عرض الوثيقة المتعلقة بالصفقة على المجلس الوزاري السياسي والأمني المصغر «الكابينت».
وتعكس هذه الشهادة، إذا تأكدت تفاصيلها، حجم تأثير الاعتبارات الائتلافية على القرارات المتعلقة بالمفاوضات، في وقت كانت فيه عائلات الأسرى تضغط من أجل التوصل إلى اتفاقات تضمن عودة أبنائها.
«مثلث» المصلحة الوطنية والسياسية والشخصية
وفي تقييمه لإدارة الحرب، قال غيل إن القرارات اتُّخذت ضمن مثلث تتداخل فيه المصلحة الوطنية والمصلحة السياسية والمصلحة الشخصية، معتبراً أن الاعتبارات السياسية كانت حاضرة في إدارة الحرب أكثر من أي وقت مضى.
وأشاد بدور بيني غانتس وغادي آيزنكوت في كابينت الحرب، في مقابل انتقاده ما وصفه بتدخل الاعتبارات السياسية في القرارات الميدانية والإنسانية، مشيراً، في هذا السياق، إلى تخريب شاحنات المساعدات بدعم من وزير الأمن القومي.
وتقدم هذه المواقف صورة عن خلافات داخلية بشأن كيفية إدارة الحرب، ومدى تأثير المصالح الحزبية والائتلافية على القرارات الأمنية والعسكرية.
مسؤولية نتنياهو والمنظومة الأمنية
ورغم تحميله نتنياهو مسؤولية أساسية عن القرارات السياسية، لم يستثنِ غيل نفسه من المسؤولية، مؤكداً أن المسؤولية تقع على نتنياهو وعلى كل من كان حوله، بمن فيهم هو شخصياً، لأن المنظومة التي خدم فيها لمدة 35 عاماً أخفقت في منع الهجوم.
وتكتسب هذه النقطة أهمية في ظل استمرار الجدل داخل إسرائيل بشأن المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر، وما إذا كان ينبغي حصرها في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية أم توسيعها لتشمل المستوى السياسي وآليات اتخاذ القرار.
وفي ختام شهادته، حذّر غيل من أن ثقافة عدم التحقيق والمساءلة قد تقود إلى إخفاقات جديدة، مستشهداً بقضية طائرة فلاي دبي، ومختتماً بتحذير مفاده أن استمرار هذا النهج «سيؤدي إلى الكارثة التالية».
وتعيد شهادة السكرتير العسكري السابق لنتنياهو فتح ملف التحذيرات السابقة للهجوم، والقرارات التي اتُّخذت أو رُفضت، وطبيعة العلاقة بين القيادة السياسية والأجهزة الأمنية. كما تضع المطالبة بلجنة تحقيق رسمية في صلب النقاش، باعتبارها الطريق إلى فحص الوثائق والاتصالات وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، بعيداً عن تبادل الاتهامات والروايات السياسية.