الهزيمة الكارثية لأمريكا في حرب الأيام الثلاثة عشر… وآفاق المواجهة الأكبر

كتب الاعلامي حسين مرتضى

يصعب فهم المشهد الإقليمي الراهن من دون العودة إلى نقطة تعتبرها طهران أساساً لكل ما يجري اليوم، وهي أن الولايات المتحدة خرجت من حرب الأيام الثلاثة عشر وهي في موقع الخاسر، وأن ما جرى لم يكن نهاية المواجهة، بل محطة انتقالية تسبق مرحلة أكثر تعقيداً.

وفق هذه القراءة، فإن ما يوصف بوقف إطلاق النار ليس اتفاقاً سياسياً أو عسكرياً، بل مجرد توقف مؤقت للعمليات الميدانية، فرضته الوقائع العسكرية التي واجهتها واشنطن وحلفاؤها، بعدما أخفقت في تحقيق الأهداف التي دخلت الحرب من أجلها.

القراءة الإيرانية تعتبر أن الولايات المتحدة وجدت نفسها أمام مأزق استراتيجي غير مسبوق؛ فلا هي استطاعت فرض وقائع جديدة على الأرض، ولا تمكنت من العودة إلى ما قبل الحرب. وتستند هذه الرؤية إلى تصريحات صادرة عن مسؤولين وخبراء غربيين وإسرائيليين، تعكس حجم القلق من نتائج المواجهة ومن غياب رؤية واضحة للخروج منها.

في الداخل الإيراني، تبدو الصورة مختلفة تماماً. فقد أفرزت الحرب، بحسب التقديرات الإيرانية، مستوى غير مسبوق من الإجماع الوطني حول إدارة المواجهة، مع وجود قيادة مركزية موحدة لملفات الأمن القومي، الأمر الذي انعكس على سرعة اتخاذ القرار والتنسيق بين مختلف المؤسسات العسكرية والأمنية.

وترى طهران أن فترة التهدئة المؤقتة لم تكن فرصة لالتقاط الأنفاس فحسب، بل مرحلة لإعادة التموضع وتعزيز الجهوزية العسكرية، في مقابل عجز أمريكي عن تقديم أي تطوير عملياتي أو تكتيكي يغيّر موازين القوى التي فرضتها المعركة.

ومن أبرز ما تعتبره إيران إنجازاً خلال المواجهة، قدرتها على استهداف منظومات القيادة والسيطرة، وتعطيل قدرات الرصد والاستطلاع، والوصول إلى أهداف حساسة كانت تُعد بعيدة عن متناول أي قوة في المنطقة، إضافة إلى إظهار مستوى متقدم من دقة الضربات وتنوع وسائل الهجوم.

وفي المقابل، تشير القراءة الإيرانية إلى أن واشنطن أخفقت في تحقيق أبرز أهدافها العسكرية والسياسية. فلم تتمكن من استهداف القيادات الإيرانية، ولم تستطع فرض سيطرة ميدانية في الخليج، كما ظهر محدودية فاعلية منظومات الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في المنطقة، سواء من طراز “ثاد” أو “باتريوت”، في مواجهة الهجمات التي شهدتها الحرب.

أما مضيق هرمز، فيمثل وفق هذه الرؤية عنواناً أساسياً للصراع المقبل. فإيران تعتبر أنها باتت تمتلك اليد العليا في التحكم بالمعادلة البحرية، وأن الخيارات العسكرية الأمريكية لإعادة فتح المضيق أصبحت محدودة، الأمر الذي يدفع واشنطن، بحسب التقديرات الإيرانية، إلى البحث عن حلول سياسية عبر قنوات التفاوض الإقليمية، ولا سيما مع سلطنة عُمان.

وفي الداخل الأمريكي، انعكست نتائج الحرب على المشهد السياسي بصورة واضحة، مع تصاعد الانتقادات الموجهة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتزايد الحديث عن تأثير الأداء العسكري على مستقبل الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة، إضافة إلى اتهامات طالت البنتاغون بإخفاء الحجم الحقيقي للخسائر البشرية التي تكبدتها القوات الأمريكية.

وتعتقد طهران أن الحرب كشفت أيضاً عن جيل جديد من قدراتها العسكرية، سواء في مجال الصواريخ الدقيقة أو الطائرات المسيّرة، حيث استخدمت تقنيات وأنماط تشغيل مختلفة عما كان معروفاً سابقاً، في حين أثبتت البنية التحتية العسكرية الإيرانية قدرتها على استعادة الجاهزية بسرعة، حتى بعد تعرض بعض المواقع للاستهداف، وهو ما اعتبر دليلاً على مرونة منظومة التصنيع والإنتاج العسكري.

وفي البعد البحري، تؤكد القراءة الإيرانية أن المعركة لم تقتصر على البر، بل امتدت إلى خطوط الملاحة والطاقة، حيث ترى طهران أنها عززت حضورها العملياتي على امتداد السواحل المؤثرة في معادلة الخليج وبحر عُمان، وأصبحت تمتلك قدرة أكبر على التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية إذا ما توسعت المواجهة.

كما تشير هذه القراءة إلى أن دولاً عربية دخلت دائرة التأثر المباشر بنتائج الحرب، سواء نتيجة الاستهدافات العسكرية أو بسبب التطورات المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب، حيث برزت معادلات جديدة فرضتها العمليات اليمنية، لتضيف ضغوطاً إضافية على المشهد الأمني والإقليمي.

وفي ضوء ذلك، ترى طهران أن الولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة باتت فيها الخيارات العسكرية أقل فاعلية، وأن أي محاولة جديدة لتحقيق الأهداف نفسها ستواجه بيئة أكثر تعقيداً، بعدما اكتسبت إيران خبرات إضافية، ووسعت من قدراتها الدفاعية والهجومية خلال فترة التهدئة.

وتعتبر القيادة الإيرانية أن المفاوضات الجارية لا تتعلق بإنهاء الصراع، بل بإدارة بعض الملفات المرتبطة بالملاحة البحرية، فيما يبقى ميزان الردع هو العامل الحاسم في المرحلة المقبلة.

ومن هذا المنطلق، تؤكد أن أي تفاهمات لن تكون على حساب المبادئ الاستراتيجية التي أعلنتها، وفي مقدمتها أمن الخليج، والسيادة على مياهها الإقليمية، وحماية مصالحها الوطنية.

وفي الجانب الاقتصادي، لا ترى طهران أن تراجع أسعار النفط المحتمل يشكل مصدر قلق حقيقي، إذ تعتقد أن استمرار التوتر في مضيق هرمز وباب المندب، إلى جانب انخفاض المخزون النفطي الأمريكي، سيبقي أسواق الطاقة تحت ضغط دائم، ما يمنحها أوراق قوة إضافية في أي مفاوضات مقبلة.

ورغم التوقف الحالي للعمليات العسكرية، تؤكد القراءة الإيرانية أن الحرب لم تنته بعد، وأن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر حساسية قد تشهد انخراط أطراف جديدة، في ظل استمرار سعي الولايات المتحدة و”إسرائيل” إلى استعادة زمام المبادرة، سواء عبر استهداف المنشآت النووية، أو محاولة اغتيال قيادات إيرانية، أو توسيع بنك الأهداف العسكرية، أو الانتقال إلى استهداف البنية التحتية المدنية، وفي مقدمتها منشآت تصدير النفط.

في المقابل، تؤكد طهران أنها تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فترة تحضير للمواجهة المقبلة، وأن الهدف النهائي يتمثل في تثبيت معادلة ردع تجعل أي حرب مستقبلية أكثر كلفة على خصومها، وتكرّس ميزان قوى جديداً في المنطقة، ترى أنه بدأ يتشكل بالفعل، لكنه لم يصل بعد إلى محطته النهائية.