على حافة الاشتعال: هل دخلت المنطقة مرحلة ما قبل المواجهة الكبرى؟
كتب الإعلامي حسين مرتضى
تعيش منطقة الخليج وغرب آسيا واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات، في ظل التصعيد المتسارع بين الجمهورية الإسلامية في إيران والولايات المتحدة الأمريكية، حيث تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن المنطقة باتت تقف على حافة مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي، لتتحول إلى صراع استراتيجي واسع يحمل تداعيات إقليمية ودولية خطيرة.
المؤشرات العسكرية المتوافرة تؤكد أن مسرح العمليات أصبح شبه مكتمل من حيث الحشود العسكرية والتجهيزات اللوجستية والاستعدادات الاستخباراتية، سواء من الجانب الأمريكي أو الإسرائيلي أو حتى الإيراني. ووفق تقديرات ميدانية، فإن ما يؤخر الانفجار حتى الآن ليس النقص في الجهوزية العسكرية، بل غياب “القرار السياسي الاستراتيجي” بإطلاق المواجهة.
في هذا السياق، رُصدت خلال الأيام الماضية حركة مكثفة للطيران الأمريكي والإسرائيلي في أجواء المنطقة، ترافقت مع معلومات تتحدث عن مشاركة طائرات تابعة لدول عربية، بينها الإمارات ومصر، في مهام استطلاعية واستخباراتية فوق مناطق غرب وجنوب إيران. هذه التحركات تعكس حجم التنسيق القائم في إطار الاستعداد لأي سيناريو محتمل، كما تكشف أن المعركة المقبلة – إن وقعت – لن تكون محصورة بجبهة واحدة.
أما في الداخل الإيراني، فتتعامل طهران مع المرحلة باعتبارها مرحلة “ما قبل الحرب”. ولهذا، تشير المعطيات إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة تتعلق بحركة المسؤولين والقادة العسكريين، انطلاقاً من قناعة إيرانية بأن أي مواجهة قد تبدأ بسلسلة اغتيالات تستهدف القيادات السياسية والعسكرية ومراكز القرار، على غرار ما جرى في محطات سابقة بالمنطقة.
وفي موازاة التصعيد العسكري، برز تطور بالغ الأهمية يتعلق بمضيق هرمز، بعدما فرضت إيران ما يشبه “بروتوكولاً جديداً” للعبور عبر المضيق، معتبرة أن أمنه وسيادته أصبحا “خطاً أحمر”. البروتوكول الإيراني الجديد يتضمن إلزام السفن بالالتزام الكامل بالمسارات التي تحددها طهران، إضافة إلى دفع الرسوم المقررة والإفصاح الدقيق عن طبيعة الحمولات والجهة النهائية المستفيدة منها.
هذه الإجراءات تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية تتجاوز الملاحة البحرية، إذ تسعى إيران إلى تثبيت معادلة جديدة مفادها أن الحصار الاقتصادي المفروض عليها لن يمر من دون كلفة مقابلة على الاقتصاد العالمي وخطوط الطاقة الدولية.
في المقابل، تبدو واشنطن أمام مأزق حقيقي. فبحسب المعطيات، حاولت الولايات المتحدة أكثر من مرة فرض وقائع جديدة في المضيق وكسر القيود الإيرانية بالقوة، لكنها لم تحقق النتائج المطلوبة. كما تتزايد التقديرات التي تتحدث عن احتمال تنفيذ تحرك أمريكي مفاجئ في الجنوب الإيراني أو في بعض الجزر الاستراتيجية بهدف تأمين ممرات لسفن محاصرة أو فرض توازن ميداني جديد.
اقتصادياً، لا تقل المواجهة خطورة عن الجانب العسكري. فالولايات المتحدة تسعى إلى تشديد الحصار على إيران عبر تفاهمات دولية أوسع، وتحديداً مع الصين. ولهذا تترقب طهران نتائج الاتصالات الأمريكية – الصينية، وسط معلومات عن محاولات أمريكية لعقد صفقة مع بكين تقوم على مقايضات تتعلق بملفات حساسة مثل تايوان أو الرسوم الجمركية، مقابل تشديد الخناق الاقتصادي على إيران وتقليص هامش حركتها التجارية والنفطية.
سياسياً، تبدو المفاوضات بين الطرفين في حالة جمود شبه كامل، بعد رفض واشنطن مقترحاً إيرانياً مؤلفاً من 14 بنداً طُرح على مراحل بهدف التوصل إلى تسوية للأزمة الحالية. هذا الرفض عمّق الهوة بين الجانبين، وأعاد المشهد إلى منطق الضغوط القصوى والمواجهة المفتوحة.
كل ذلك يضع المنطقة أمام مشهد شديد التعقيد: الأمريكي يحاول تحقيق عبر الاقتصاد والسياسة ما فشل في فرضه بالقوة العسكرية، فيما تتمسك إيران بشروطها وترفض تقديم تنازلات تحت الضغط. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأخطر: هل ما يجري هو مجرد استعراض قوة متبادل، أم أننا دخلنا فعلاً مرحلة العد العكسي لمواجهة قد تغيّر وجه المنطقة بأكملها؟