لبنان بين ضغوط التفاوض وهاجس الانفجار الأمني
كتب الإعلامي حسين مرتضى
يدخل الملف اللبناني مرحلة شديدة الحساسية مع الحديث المتصاعد عن الجولة الثالثة من المفاوضات المرتبطة بالوضع الأمني والسياسي على الحدود الجنوبية، وسط تسريبات خطيرة تثير مخاوف حقيقية من محاولة فرض وقائع جديدة على لبنان تحت عنوان “التهدئة” و”تثبيت وقف إطلاق النار”.
المشهد الحالي لا يبدو منفصلاً عن طبيعة الصراع الإقليمي الأوسع، بل يأتي في سياق إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، حيث تحاول الولايات المتحدة و”إسرائيل” استثمار الضغوط العسكرية والسياسية لفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد تتجاوز حدود المواجهة الحالية.
في الداخل اللبناني، يبرز جدل واسع حول أصل المفاوضات المباشرة وطبيعتها، إذ تعتبر جهات سياسية أن هذا المسار يتعارض مع الدستور اللبناني ويفتقد إلى التوافق الوطني الجامع، خصوصاً أن الذرائع التي رافقت إطلاق هذه المفاوضات تبدلت بشكل متسارع.
فبعدما كان الحديث في البداية يدور حول ضرورة وقف إطلاق النار أولاً، تحولت العناوين لاحقاً إلى “تثبيت وقف إطلاق النار”، فيما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية والاستهدافات اليومية في الجنوب اللبناني، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى هذا المسار وحدوده الحقيقية.
لكن الأخطر في الكواليس المتداولة هو ما يتم تسريبه حول “ورقة تفاهم أمنية” تسعى “إسرائيل” إلى فرضها ضمن أي اتفاق مستقبلي. هذه الورقة، وفق المعلومات المتداولة، تمنح تل أبيب حق تنفيذ عمليات أمنية وعسكرية داخل الأراضي اللبنانية متى اعتبرت أن هناك “تهديداً أمنياً” أو “هدفاً معادياً”. عملياً، فإن مثل هذا الطرح يعني منح الاحتلال غطاءً دائماً للاعتداء على السيادة اللبنانية وتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للاستباحة الأمنية والعسكرية.
وفي سياق أكثر خطورة، تتحدث بعض التسريبات عن ضغوط أمريكية لإنشاء قسم خاص داخل الجيش اللبناني تكون مهمته الأساسية ملاحقة حزب الله والتعامل مع ملف المقاومة من زاوية أمنية داخلية. هذه الطروحات، إن صحت، تحمل في طياتها بذور فتنة داخلية خطيرة، لأنها تدفع بالمؤسسة العسكرية إلى مواجهة مباشرة مع شريحة واسعة من اللبنانيين، بما يهدد وحدة الجيش والاستقرار الداخلي في لحظة شديدة التعقيد.
في المقابل، تؤكد المقاومة أن أي تسوية أو اتفاق لا يمكن أن ينجح ما لم يستند إلى قواعد واضحة تحفظ السيادة اللبنانية وتوقف العدوان بشكل كامل. ولهذا أعاد حزب الله التأكيد على النقاط الخمس التي طرحها الأمين العام الشيخ نعيم قاسم كأساس لأي حل، وهي:
- وقف العدوان الإسرائيلي نهائياً.
- انسحاب قوات الاحتلال من كامل الأراضي اللبنانية.
- إعادة إعمار المناطق المتضررة.
- ضمان عودة الأهالي إلى قراهم.
- العمل على ملف الأسرى اللبنانيين.
إقليمياً، لا يبدو أن لبنان منفصل عن المشهد العام للمفاوضات غير المباشرة الجارية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران. فطهران، بحسب المعطيات، تصر على مبدأ “وحدة الساحات”، وترفض التعامل مع لبنان كملف منفصل يمكن عزله عن التوازنات الكبرى في المنطقة، انطلاقاً من قناعة بأن أي استفراد بلبنان سيؤدي إلى فرض شروط إسرائيلية قاسية تهدد معادلات الردع القائمة.
وفي موازاة ذلك، تتزايد التقارير التي تتحدث عن انخراط بعض الدول العربية في دعم العمليات أو الأنشطة المرتبطة بالضغط على إيران، سواء عبر التعاون الاستخباراتي أو تقديم تسهيلات لوجستية، وهي معلومات قيل إنها طُرحت خلال جلسات استماع في الكونغرس الأمريكي خلال الفترة الأخيرة.
أما ميدانياً، فالصورة تبدو أقرب إلى حالة “الجمود المتوتر”. فلا “إسرائيل” قادرة على فرض نصر حاسم، ولا المقاومة مستعدة لمنح خصومها إنجازاً سياسياً أو أمنياً مجانياً. ولهذا تستمر حالة الاستنزاف المتبادل، فيما يبقى الجنوب اللبناني مفتوحاً على احتمالات متعددة.
الثابت الوحيد حتى الآن أن المقاومة تعتبر أن أي وجود أو توغل إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية سيبقي باب المواجهة مفتوحاً، حتى في حال الوصول إلى تفاهمات أو اتفاقات لوقف إطلاق النار. ومن هنا، فإن المنطقة تقف أمام مرحلة دقيقة قد تحدد شكل الصراع في السنوات المقبلة: إما تثبيت معادلات ردع جديدة، أو الانزلاق نحو مواجهة أكبر قد تتجاوز حدود لبنان بكثير.