كواليس التراجع الأمريكي في الخليج: هرمز بين معادلات القوة وفشل الابتزاز

كواليس التراجع الأمريكي في الخليج: هرمز بين معادلات القوة وفشل الابتزاز

كتب الاعلامي حسين مرتضى

ما يجري اليوم في مضيق هرمز وسواحل الخليج لم يعد مجرد توتر أمني عابر، بل تحول إلى مواجهة استراتيجية مفتوحة بين مشروع أمريكي يسعى لإعادة فرض الهيمنة البحرية، وبين معادلة إيرانية جديدة تقوم على كسر الحصار ومنع واشنطن من التحكم بمفاصل الطاقة العالمية.

في ظاهر المشهد تبدو التصريحات الأمريكية مرتفعة السقف، لكن خلف الكواليس تكشف الوقائع الميدانية عن ارتباك واضح داخل الإدارة الأمريكية وعجز عن فرض قواعد اشتباك جديدة دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة لا تريدها واشنطن.

“المبادرة الإنسانية”: مناورة للهروب من الحرب

الإدارة الأمريكية حاولت تسويق ما سُمّي بـ”المبادرة الإنسانية” لتأمين حرية الملاحة البحرية باعتبارها خطوة لحماية التجارة الدولية، إلا أن الهدف الحقيقي كان مختلفاً تماماً.

المبادرة جاءت كمحاولة للالتفاف على القيود القانونية والسياسية داخل الولايات المتحدة، وخصوصاً ما يتعلق بمهلة الستين يوماً التي تحدّ من قدرة الرئيس الأمريكي على الانخراط بحرب مفتوحة دون غطاء سياسي وتشريعي واضح.

دونالد ترامب كان يبحث عن معادلة تمنحه إمكانية التصعيد من دون تحمل كلفة الحرب المباشرة، ولذلك حاول دفع إيران إلى ارتكاب خطأ عسكري عبر استهداف القطع الأمريكية بشكل مباشر، بما يسمح له باستخدام ذريعة “الدفاع عن النفس”.

لكن طهران قرأت المشهد بدقة، وتعاملت مع الاستفزازات بحسابات شديدة الانضباط. الردود الإيرانية جاءت مدروسة، قاسية في رسائلها، لكنها تجنبت منح واشنطن المسوغ القانوني والسياسي الذي كانت تبحث عنه.

وهنا تحديداً بدأ المأزق الأمريكي.

الفجيرة: سقوط مشروع “المضيق البديل”

الضربة التي طالت منطقة الفجيرة لم تكن حدثاً أمنياً محدوداً، بل أصابت قلب المشروع الاستراتيجي الذي عملت عليه واشنطن خلال السنوات الماضية.

الولايات المتحدة كانت تسعى إلى إنشاء مسار بديل يخفف اعتماد الخليج على مضيق هرمز، عبر مشروع حبشان ـ الفجيرة، بما يسمح بتجاوز أي تهديد محتمل للممر البحري الحيوي.

لكن استهداف هذه المنطقة وجّه رسالة شديدة الوضوح: لا يمكن بناء منظومة طاقة مستقرة في الخليج بمعزل عن إيران أو عبر محاصرتها.

المعادلة التي تحاول طهران فرضها اليوم تقوم على فكرة بسيطة لكنها شديدة التأثير: أمن الطاقة في المنطقة لا يمكن أن يكون انتقائياً، ولا يمكن لدولة أن تتمتع بالأمان الاقتصادي فيما تُفرض الحروب والحصار على الآخرين.

وهذا ما جعل الضربة على الفجيرة تتجاوز بعدها الأمني لتتحول إلى إعلان عملي عن فشل مشروع “البدائل الآمنة” الذي راهنت عليه واشنطن وحلفاؤها.

إيران واستراتيجية “الضغط المعكوس”

إيران لا تدير المواجهة بمنطق رد الفعل فقط، بل وفق استراتيجية متكاملة عنوانها “الضغط المعكوس”.

المعادلة التي تطرحها طهران واضحة: إما أمن للجميع أو لا أمن لأحد، وإما موانئ للجميع أو لا موانئ.

الهدف هنا لا يقتصر على الرد على العقوبات أو الحصار، بل على منع الولايات المتحدة من إيجاد حلول بديلة تسمح لها بخنق إيران اقتصادياً مع استمرار تدفق النفط الخليجي بشكل طبيعي.

وفي الوقت نفسه، تتجنب طهران بعناية استهداف القوات الأمريكية مباشرة، لأن أي اشتباك مباشر سيمنح واشنطن الغطاء القانوني والسياسي الذي تحتاجه لتوسيع الحرب.

هذا التكتيك وضع الإدارة الأمريكية في موقف معقد؛ فهي تريد الرد لإثبات الهيبة، لكنها تدرك أن أي مواجهة مباشرة ستكون مكلفة وغير مضمونة النتائج، خصوصاً إذا ظهرت واشنطن وكأنها تدخل حرباً دفاعاً عن مصالح “طرف ثالث” وليس عن أمنها القومي المباشر.

الإمارات بين المظلة الإسرائيلية والهشاشة الأمنية

التطورات الأخيرة كشفت أيضاً حجم المأزق الذي تعيشه الإمارات نتيجة ربط أمنها بشكل كامل بالمظلة الأمريكية والإسرائيلية.

الرهان على أن التحالف مع تل أبيب يمكن أن يشكل ضمانة استراتيجية بدأ يتعرض لاختبار قاسٍ مع تصاعد التوترات البحرية والهجمات التي طالت البنية الحساسة للطاقة والنقل.

هذا الواقع بدأ يفتح نقاشات داخلية حول جدوى هذه المقاربة، خاصة عندما تُقارن الإمارات بدول أخرى في المنطقة حافظت على توازن أكبر في علاقاتها الإقليمية وتجنبت الانخراط الكامل في محاور الصراع.

الخطر هنا لا يتعلق فقط بالأمن العسكري، بل بالاستقرار الاقتصادي والاستثماري أيضاً، لأن أي اهتزاز في صورة “البيئة الآمنة” ينعكس فوراً على مكانة الخليج كمركز مالي وتجاري عالمي.

بين صخب ترامب وواقعية الميدان

المشهد الإقليمي اليوم يكشف فجوة كبيرة بين الخطاب الأمريكي المرتفع وبين الوقائع التي تُفرض على الأرض.

ترامب يواصل استخدام لغة التهديد والتغريدات النارية لمحاولة إظهار القوة، لكن الميدان يقول شيئاً مختلفاً: واشنطن تحاول تجنب الحرب، وإيران تنجح حتى الآن في إدارة معركة استنزاف سياسية واقتصادية معقدة دون السقوط في الفخ الأمريكي.

لذلك تبدو المنطقة اليوم أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما انفجار واسع إذا خرجت الأمور عن السيطرة، أو الذهاب نحو تفاهمات جديدة تتعلق بالممرات البحرية وأمن الطاقة، لكن وفق شروط ومعادلات تفرضها طهران باعتبارها لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه في الخليج.