هل يقع الاسرائيلي في مستنقع الاستنزاف؟ حقيقة الهدنة والشروط الخمسة اللبنانية

تتسارع التطورات على الساحة اللبنانية وسط ضبابية سياسية وأمنية تزداد تعقيداً مع استمرار العدوان الإسرائيلي وتصاعد عمليات المقاومة في الميدان، فيما تتكثف الاتصالات الدولية والإقليمية بحثاً عن صيغة تهدئة جديدة تبدو حتى الآن بعيدة عن أي ضمانات حقيقية.

في هذا السياق، تكشف المعطيات المتداولة عن حراك سياسي وأمني تقوده واشنطن في محاولة لإعادة رسم مسار التفاوض المرتبط بالجبهة اللبنانية، بالتوازي مع استمرار محاولات الاحتلال فرض وقائع ميدانية جديدة عبر التصعيد العسكري والضغط النفسي والإعلامي.

اجتماعات واشنطن… تفاوض تحت النار

المعلومات المتوافرة تشير إلى سلسلة لقاءات مرتقبة ستُعقد خلال المرحلة المقبلة في واشنطن، تبدأ باجتماع أمني نهاية الشهر الجاري، يضم وفوداً عسكرية من لبنان والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، لبحث ترتيبات ميدانية مرتبطة بوقف إطلاق النار وآليات ضبط الوضع على الحدود.

ويلي ذلك لقاء سياسي مطلع الشهر المقبل، يُتوقع أن يناقش صيغة اتفاق طويل الأمد، وسط تساؤلات داخل الأوساط اللبنانية حول طبيعة المشاركة الرسمية ومستوى التمثيل السياسي في هذه الاجتماعات، وما إذا كانت ستشهد حضوراً مباشراً من رئاسة الجمهورية أو تقتصر على قنوات أمنية ودبلوماسية.

لكن خلف هذا الحراك، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالمشهد السياسي اللبناني يعيش حالة من الضياع والالتباس، في ظل الحديث المتكرر عن “هدنة قريبة” أو “اتفاق وشيك”، بينما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية يومياً، ما يعكس غياب أي ضمانات فعلية تلزم الاحتلال بوقف عدوانه.

الثوابت اللبنانية… خمس نقاط لا تنازل عنها

في المقابل، يتمسك لبنان، مدعوماً بموقف المقاومة، بمجموعة ثوابت تعتبر أساس أي اتفاق أو تهدئة مستقبلية، وترتكز على خمس نقاط رئيسية:

  1. الوقف الكامل للعدوان والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.
  2. الانسحاب الشامل لقوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية.
  3. إطلاق ورشة إعادة إعمار للمناطق التي تعرضت للتدمير.
  4. إعادة الأسرى اللبنانيين إلى ذويهم.
  5. ضمان عودة الأهالي والنازحين إلى قراهم ومناطقهم بأمان.

هذه الشروط، وفق القراءة اللبنانية، ليست مطالب تفاوضية قابلة للمساومة، بل تشكل الحد الأدنى لأي استقرار فعلي على الحدود الجنوبية، خصوصاً في ظل التجارب السابقة التي حاول فيها الاحتلال فرض معادلات أمنية تسمح له بمواصلة الاعتداءات تحت عناوين مختلفة.

الاحتلال في مأزق الاستنزاف

ميدانياً، تكشف الوقائع أن الاحتلال الإسرائيلي يواجه أزمة استنزاف متفاقمة على الجبهة الشمالية، مع تزايد العمليات النوعية التي تنفذها المقاومة، وخاصة عبر الطائرات المسيّرة الانقضاضية التي باتت تستهدف الجنود والآليات والمواقع العسكرية بشكل شبه يومي.

هذا الواقع دفع المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية إلى حالة من الإرباك، انعكست في تصاعد النقاش الداخلي حول الفشل في مواجهة تهديد المسيّرات، وحول الكلفة البشرية والمادية للحرب المستمرة.

وفي محاولة للتغطية على هذا الإخفاق، يلجأ الاحتلال إلى تكثيف المجازر بحق المدنيين، وتوسيع عمليات التدمير، بالتوازي مع حرب نفسية وإعلامية تهدف إلى إظهار صورة “التفوق والسيطرة”، رغم أن الوقائع الميدانية تعكس صورة مغايرة تماماً.

كما يواصل الاحتلال فرض تعتيم واسع على حجم خسائره، سواء في صفوف الجنود أو على مستوى الأضرار الاقتصادية والأمنية التي تتفاقم داخل الكيان.

لبنان كورقة ضغط أمريكية

إقليمياً، يبدو واضحاً أن واشنطن تتعامل مع الملف اللبناني باعتباره جزءاً من شبكة التفاوض الأوسع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

فالولايات المتحدة، وفق هذا المنظور، لا تبدو مستعجلة لإنهاء الحرب في لبنان قبل تحقيق مكاسب سياسية مرتبطة بالملف النووي الإيراني أو بالتفاهمات الإقليمية مع طهران.

ومن هنا، يُفهم استمرار “الضوء الأخضر” الأمريكي للاحتلال لمواصلة اعتداءاته، في إطار سياسة الضغط ومحاولة انتزاع تنازلات سياسية عبر الدم اللبناني والتصعيد العسكري.

لكن في المقابل، تؤكد المقاومة أن الميدان هو العامل الحاسم، وأن استمرار العدوان سيقابله استمرار العمليات، مع رفض مطلق لأي اتفاق يمنح الاحتلال حق تنفيذ اغتيالات أو استهدافات داخل لبنان تحت أي ذريعة أو مسمى.

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، عنوانها الأساسي: صراع الإرادات بين مشروع يريد فرض شروطه بالقوة، ومقاومة تعتبر أن حماية السيادة اللبنانية تبدأ من الميدان وتنتهي عند تثبيت معادلات الردع.