40 تريليون دولار خلف الستار.. هل يخفي ترامب مأزقه الاقتصادي بـ “الإنزال الاقتصادي” على إيران؟
كتب الإعلامي حسين مرتضى
في الوقت الذي تحاول فيه المنصات الإعلامية الغربية تقديم المشهد الأميركي ـ الإيراني باعتباره استعراضاً جديداً للقوة الأميركية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً عند وضع التطورات العسكرية والاقتصادية والسياسية في سياق واحد.
فخلف الضجيج المتصاعد حول العقوبات والتهديدات والردع، تبرز حقيقة لا يمكن تجاهلها: الاقتصاد الأميركي يواجه أرقاماً قياسية في الدين العام، فيما تدخل واشنطن مواجهة مفتوحة مع خصم أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على امتصاص الضغوط والمناورة خارج الأدوات التقليدية للنظام المالي العالمي.
والمفارقة اللافتة أن التصعيد الأميركي يأتي بالتزامن مع بلوغ الدين العام الأميركي حاجز 40 تريليون دولار، وهو رقم تاريخي يضع الإدارة الأميركية أمام أسئلة داخلية ثقيلة تتعلق بالاقتصاد، والإنفاق العسكري، وكلفة الحروب، وقدرة واشنطن على الاستمرار في إدارة صراعات متعددة الجبهات.
من هنا، يصبح إعلان الرئيس الأميركي عن ما سُمّي بـ«الإنزال الاقتصادي» ضد إيران بحاجة إلى قراءة تتجاوز العناوين الإعلامية. فهل نحن أمام استراتيجية اقتصادية متماسكة بالفعل، أم أمام محاولة لإظهار القوة وتصدير صورة مختلفة إلى الداخل الأميركي والخارج؟
الرد الإيراني.. الميدان لا ينتظر البيانات السياسية
على المستوى الميداني، شهدت الساعات الأخيرة احتكاكاً عسكرياً مباشراً عقب استهداف القوات الأميركية نقاطاً إيرانية، إلا أن اللافت لم يكن وقوع الاستهداف بحد ذاته، بل سرعة الرد الإيراني وطبيعته.
فإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف أميركية وقواعدها يعكس، وفق هذه القراءة، تحولاً مهماً في قواعد الاشتباك. الرسالة الإيرانية الأساسية تبدو واضحة: أي اعتداء لن يبقى من دون رد، والرد يمكن أن يأتي من الميدان وبسرعة، من دون انتظار طويل أو الدخول في حسابات سياسية قد تمنح الخصم هامشاً للمبادرة.
وهنا تكمن أهمية التحول. فكلما أصبح الرد أكثر سرعة ولا مركزية، تقل قدرة الولايات المتحدة على التحكم بإيقاع التصعيد. وهذا يعني أن الحديث عن السيطرة الكاملة على مسارات المنطقة، أو عن شلّ القدرات الصاروخية الإيرانية، يصطدم بوقائع الميدان.
المعادلة الجديدة لا تقوم فقط على حجم الترسانة، بل على القدرة على استخدام القوة في اللحظة المناسبة وبسرعة كافية لمنع الخصم من احتكار المبادرة.
«الإنزال الاقتصادي».. أربعة مؤشرات تطرح علامات استفهام
بعيداً عن اللغة التصعيدية المستخدمة في الخطاب الأميركي، يمكن ملاحظة مجموعة من المؤشرات التي تجعل العقوبات الجديدة أقرب إلى أداة ضغط سياسي ونفسي منها إلى ضربة اقتصادية قادرة على حسم المواجهة.
أولاً: الضجيج الإعلامي أكبر من القرارات التنفيذية.
الخطاب السياسي الأميركي اتسم بجرعة مرتفعة من التهديد والتصعيد، لكن السؤال الأساسي يبقى: ما الذي يمكن تنفيذه فعلياً على الأرض؟ فالعقوبات تحتاج إلى آليات تنفيذ وملاحقة وشبكات مالية وتجارية يمكن ضبطها، في حين أثبتت التجربة الإيرانية أنها قادرة على تطوير قنوات بديلة للالتفاف على العقوبات.
ثانياً: غياب خيار الحرب الشاملة.
عندما تكون واشنطن أمام خصم قادر على الرد على القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، فإن الانتقال من العقوبات إلى حرب مفتوحة يصبح قراراً بالغ الكلفة. وبالتالي، فإن ارتفاع مستوى الخطاب لا يعني بالضرورة ارتفاع الاستعداد للحرب.
ثالثاً: الرسالة موجهة إلى الداخل الأميركي بقدر ما هي موجهة إلى طهران.
فالناخب الأميركي لا يراقب فقط ما يحدث في الشرق الأوسط، بل يراقب أسعار الطاقة، التضخم، الوظائف، وكلفة الإنفاق الحكومي والعسكري. ومن هنا، يمكن فهم التصعيد الخارجي باعتباره محاولة لتقديم صورة عن إدارة قوية وقادرة على فرض إرادتها، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول الوضع الاقتصادي الداخلي.
رابعاً: التناقض بين التصعيد العلني ومسارات التفاوض.
في السياسة الدولية، كثيراً ما تسير قنوات التفاوض السرية بالتوازي مع التصريحات النارية. وقد تكون الرسائل التصعيدية جزءاً من عملية تحسين شروط التفاوض أكثر من كونها مقدمة لحرب شاملة. لذلك، فإن الفصل بين الخطاب السياسي والحسابات الفعلية قد يقود إلى قراءة مضللة للمشهد.
«أسطول الظل».. عندما تتحول العقوبات إلى سباق مع الزمن
تدرك واشنطن أن خنق الاقتصاد الإيراني لا يتوقف على إصدار العقوبات، بل على القدرة على منع الخصم من إيجاد مسارات بديلة.
وهنا يبرز ما يعرف بـ «أسطول الظل» النفطي، الذي يشكل إحدى الأدوات الأساسية في قدرة إيران على الحفاظ على جزء من تجارتها النفطية رغم القيود المفروضة عليها.
وبحسب المعطيات المتداولة، توسع هذا الأسطول بشكل كبير خلال السنوات الماضية، مع اعتماد ناقلات ومسارات وشبكات مالية وتجارية تساعد على تجاوز جزء من منظومة العقوبات والتتبع المالي.
المشكلة بالنسبة إلى واشنطن أن العقوبات لم تعد تعمل في بيئة مغلقة كما كانت في السابق. فهناك دول وأسواق وشبكات مالية وتجارية باتت أكثر استعداداً للتعامل خارج منظومة الدولار، كما أن خبرة الدول الخاضعة للعقوبات راكمت تقنيات وآليات للالتفاف عليها.
وهكذا تتحول «استراتيجية الأناكوندا»، القائمة على تطويق الخصم وخنقه تدريجياً، إلى سباق بين قدرة واشنطن على إغلاق المنافذ وقدرة طهران على فتح منافذ جديدة.
أما مضيق هرمز، فيبقى الورقة الأخطر. فالمعادلة التي تطرحها طهران تقوم على أن أي حصار اقتصادي شامل ستكون له تداعيات على حركة الطاقة العالمية، ما يجعل الضغط على إيران قضية تتجاوز حدود الاقتصاد الإيراني لتلامس الاقتصاد العالمي بأكمله.
أزمة أميركية تتجاوز إيران
لكن المشكلة الأكبر بالنسبة إلى الإدارة الأميركية ليست في إيران وحدها.
فالولايات المتحدة تواجه في الداخل معادلة صعبة: دين عام ضخم، إنفاق عسكري مرتفع، التزامات خارجية واسعة، واستنزاف متواصل للمخزونات العسكرية نتيجة الصراعات المتعددة التي انخرطت فيها واشنطن بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الإدارة إلى الحفاظ على صورة القوة والقدرة على إدارة الملفات الدولية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأميركية.
وهنا يصبح الشرق الأوسط، مرة أخرى، مسرحاً مناسباً لعرض القوة.
فحين تتعقد الملفات الاقتصادية في الداخل، يصبح من الأسهل سياسياً تقديم صورة عن «عدو خارجي» وعن إدارة قادرة على مواجهته، بدلاً من الدخول في نقاشات أكثر صعوبة حول الدين والعجز والإنفاق وتكاليف التدخلات العسكرية.
الحرب النفسية.. الوجه الآخر للمواجهة
ولا تقتصر المعركة على العقوبات والضربات العسكرية. فالحرب النفسية والإعلامية باتت جزءاً أساسياً من المواجهة.
تسعى الأطراف المتصارعة إلى التأثير في الرأي العام، وإظهار الخصم في موقع المنهار، والترويج لمشاهد الاضطرابات أو نقص الوقود أو الأزمات الداخلية، بهدف خلق انطباع بأن الانهيار بات قريباً.
لكن المشكلة في هذه الأدوات أنها تفقد جزءاً كبيراً من فعاليتها عندما يصبح الجمهور أكثر قدرة على التمييز بين الوقائع والمبالغات الإعلامية.
فالمعركة الحقيقية لا تُحسم بعدد البيانات التي تصدر، ولا بحجم التهديدات التي تطلق عبر المنصات، بل بقدرة كل طرف على الصمود الاقتصادي، وإدارة موارده، والحفاظ على قدراته العسكرية، وامتلاك بدائل استراتيجية.
بين الاستعراض والقدرة الفعلية
في النهاية، قد يكون السؤال الأهم ليس: هل تستطيع واشنطن فرض عقوبات جديدة على إيران؟ بل: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في استخدام سلاح العقوبات والحصار والضغط العسكري من دون أن تدفع هي نفسها ثمناً اقتصادياً واستراتيجياً متزايداً؟
بلوغ الدين الأميركي مستويات تاريخية لا يعني تلقائياً انهيار الاقتصاد الأميركي، كما أن العقوبات لا تعني بالضرورة فشل السياسة الأميركية. لكن الجمع بين ارتفاع كلفة المواجهات الخارجية وتراكم الدين واستنزاف الأدوات العسكرية، يفرض على واشنطن إعادة حساباتها.
أما إيران، فتبدو وكأنها بنت خلال سنوات العقوبات منظومة تقوم على قاعدة واحدة: الاستعداد لحرب طويلة وعدم السماح بتحويل الضغط الاقتصادي إلى استسلام سياسي.
وبين واشنطن وطهران، لا تجري المعركة على جبهة واحدة. إنها حرب مركبة: اقتصاد في مواجهة اقتصاد، وصواريخ في مواجهة قواعد، ونفط في مواجهة حصار، وإعلام في مواجهة إعلام.
ولذلك، فإن «الإنزال الاقتصادي» الذي يقدمه ترامب بوصفه استعراضاً للقوة قد يكون، في وجه آخر، محاولة لإخفاء سؤال أكثر إحراجاً:
كيف تستطيع الولايات المتحدة أن تستمر في لعب دور القوة العظمى في الخارج، بينما يتضخم ثمن هذا الدور في الداخل؟
قد لا تكون الإجابة في الشرق الأوسط وحده، لكن المؤكد أن المنطقة باتت إحدى الساحات التي ستكشف، خلال المرحلة المقبلة، حدود القوة الأميركية أكثر مما ستكشف حجمها.